
تتحول رحلة البحث عن سكن مع بداية كل موسم جامعي في مدينة أكادير إلى معاناة متكررة وتحدٍّ حقيقي يلقي بظلاله الثقيلة على الدخول الجامعي برمتِه. تتفاقم أزمة السكن موسمًا بعد موسم في ظل تراجع ملموس في المعروض من الوحدات السكنية المخصصة للكراء، مقابله ارتفاع صاروخي في الأسعار يضغط بشكل مباشر على كاهل الطلبة وأسرهم. وتزداد حدة هذه الأزمة بالنظر إلى الحجم الهائل لجامعة ابن زهر التي تستقطب أكثر من 170 ألف طالب وطالبة، حيث ينحدر عدد مهم منهم من مدن ومناطق خارج أكادير، مما يجعل العثور على سكن قريب من الكليات والمدارس العليا مهمة بالغ الصعوبة، ويفرض أعباءً مادية ونفسية شاقة تتجدد سنوياً.
ويرتفع الطلب على السكن بشكل قياسي في الأحياء المتاخمة للمؤسسات الجامعية، وفي مقدمتها أحياء السلام، والداخلة، والهدى، والقدس، والمسيرة، والفرح. هذا الإقبال الشديد أدى إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار الشقق المستقلة وكذا الغرف المشتركة، ومع شح العرض المتوفر يلجأ العديد من الطلبة إلى خيار تقاسم السكن لتقليص المصاريف والتكاليف المرتفعة، غير أن هذا الخيار نفسه أضحى صعب المنال بسبب الندرة الحادة في الوحدات المعروضة للإيجار. وأمام هذا الواقع، يضطر بعض الطلبة إلى القبول بالسكن في أحياء بعيدة عن المؤسسات الجامعية، وهو ما ينعكس فوراً على ارتفاع مصاريف النقل الحضري وسيارات الأجرة، لتعمق تكاليف التنقل جراح الميزانية وتصبح عبئاً إضافياً يرهق الطالب وعائلته.
يضع هذا الوضع الحرج قدرة المخزون السكني الحالي في أكادير على استيعاب هذه الأعداد الغفيرة من الطلبة على محك الحقيقي، ويكشف عن الحاجة الماسة إلى التفكير الجدي في إنشاء أحياء جامعية جديدة. ورغم أن المدينة تتوفر على حي جامعي عمومي بالقرب من كلية الحقوق، بالإضافة إلى ثلاثة أحياء جامعية خاصة (اثنان منهما مخصصان للطالبات بحي الداخلة)، إلا أن الطاقة الاستيعابية الإجمالية لهذه المؤسسات تبقى غير كافية إطلاقاً أمام الطلب المتزايد والضغط الديموغرافي القوي الذي ينعكس سلباً على السوق العقارية برمتها.
ولا تقتصر حدود هذه الأزمة على مدينة أكادير وحدها، بل تمتد أبعادها لتشمل مناطق أخرى بالجهة مثل تارودانت وأيت ملول. ففي كلية تارودانت المتعددة التخصصات التي تستقبل أكثر من 4000 طالب، يعاني الطلبة الوافدون أيضاً من شح السكن وارتفاع أسعار الكراء، لاسيما في منطقة “لاسطاح”، في ظل غياب تام لحي جامعي يستوعب هذه الأعداد. وعلى النحو ذاته، أصبحت أيت ملول قطباً جامعياً ناشئاً يستدعي بدوره توفير بنية إيوائية جامعية ملائمة تضمن استقرار الطلبة.
إن تجاوز هذه الأزمة المركبة يتطلب تدخلاً عاجلاً من قبل الجهات المختصة لمراقبة الأسعار وضبط وتنظيم سوق الكراء، للحد من أي استغلال قد يتعرض له الطلبة وأسرهم خلال الموسم الجامعي. كما يقتضي الأمر إطلاق برامج واعدة للسكن الجامعي العمومي واعتماد خيارات سكنية مدعومة، باعتبار أن توفير السكن اللائق والمناسب هو جزء لا يتجزأ من الاستقرار الاجتماعي والنفسي للطالب، والهدف النهائي من كل ذلك هو تمكين الطالب من التفرغ التام لمساره الأكاديمي والتحصيل العلمي بدلاً من هدر طاقته في الانشغال بمشاكل السكن وأزمات الكراء المتواصلة.



