
لم يعد خروج عزيز أخنوش للذود المستميت عن مهزلة استيراد الأغنام مجرد مناورة سياسية بائسة، بل تحول إلى إهانة وقحة لمشاعر ملايين المغاربة المكتوين بنار الغلاء. إن إصرار رئيس الحكومة على تحويل المنابر الحزبية إلى شاشات لتبرير العجز، واستخفافه الأرعن بعقول المواطنين عبر التعليق المتكرر لفشله على شماعة “الجفاف”، ليس سوى محاولة مفضوحة للتغطية على واحدة من أبشع عمليات نهب المال العام وتثبيت الريع المقنن تحت شماعة “الظرفية الاستثنائية”.
إن هذا الدعم المالي السخي – المقدر بـ500 درهم عن كل رأس خروف – والمدعوم بسيل من الإعفاءات الجمركية والضريبية، لم يكن سوى عملية ضخ مباشر للمال العام في حفاضات ثروات كبار المستوردين ومحتكري السوق. إنها عملية سطو موصوفة على جيب المواطن؛ حيث تُسلب المليارات من خزينة المكلفين بالضريبة لتبني بها قلاع الثراء لكبار النافذين، بينما يُترك المواطن البسيط والكساب الصغير للتلف أمام أسعار أضاحٍ ولحوم خيالية، أثبتت بلا أدنى شك أن الدعم العمومي ليس إلا غطاءً رخيصاً لتغذية جشع الوسطاء وتجار الأزمات.
أمّا هذا التكتم المريب والإصرار العجيب على إخفاء اللوائح التفصيلية للشركات المحظوظة، فيسقط أوراق التوت الأخيرة عن ادعاءات الشفافية، ويضع الحكومة في قفص الاتهام المباشر برعاية تضارب المصالح. كيف تُهدَر أموال الشعب في دهاليز مظلمة لإنعاش حسابات “سماسرة جدد” وشبكات تدور في فلك النفوذ والتأثير الحزبي لرئيس الحكومة، دون أن تجرؤ السلطة على إعلان أسماء هؤلاء المستفيدين وحجم الكعكة التي التهموها؟ إن حجْب هذه الحقائق يرسخ شبهة صريحة باستغلال كرسي الرئاسة لتوزيع الغنائم بعيداً عن أي رقابة أو محاسبة.
لن تتمكن الخطابات الاستعلائية المبتذلة ولا مساحيق التجميل السياسية من غسل عار هذه الحقبة الاقتصادية الكارثية التي سحقت الطبقات المتوسطة والفقيرة وأتخمت بطون “كبار الفراقشية”. لقد أفقتم متأخرين؛ فالشارع المغربي لم يعد يبتلع الأوهام، والرد الوحيد المقبول الآن ليس مرافعات إنشائية داخل صالوناتكم المغلقة، بل إخضاع ملف الاستيراد والدعم لتدقيق جنائي مستقل، ونشر القوائم الكاملة للمستفيدين بلا تدليس، وإعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة فوراً لتقديم الحساب عن كل سنتيم بُدد باسم الشعب لملء جيوب المحظوظين.



