المعادلة المقلوبة في سوق غاز البوتان بالمغرب: بين التدفقات المليارية وضغوط القدرة الشرائية

تطرح النتائج المالية الصادرة عن النصف الأول من سنة 2026 الخاصة بشركة «أفريقيا غاز»، التابعة لمجموعة «أكوا» المرتبطة برئيس الحكومة عزيز أخنوش، جملة من التساؤلات الجوهرية حول ديناميات سوق الطاقة والغاز المنزلي بالمغرب، حيث تضع الأرقام المُعلنة المتابعين للشأن الاقتصادي والاجتماعي أمام مفارقة صريحة تسائل طبيعة التسعير وهيكلة السوق وتأثيرهما المباشر على القوت اليومي للمواطنين.

تتجلى هذه المفارقة أساساً في كون الحجم الإجمالي للكميات المباعة من غاز البوتان تراجع بشكل ملموس بنحو 26 ألف طن، ليتردد بين 631 ألف طن في الفترة السابقة و605 آلاف طن خلال الستة أشهر الأولى من سنة 2026، غير أن هذا التراجع الاستهلاكي لم يمنع رقم المعاملات الموحد للشركة من الاستقرار عند مستوى مرتفع جداً بلغ حوالي 4.691 مليارات درهم، مسجلاً خلال الربع الثاني وحده ما يقارب 2.51 مليار درهم.

يكشف تفكيك هذه الأرقام عن معادلة اقتصادية مقلوبة، تُطرح من خلالها أسئلة حارقة حول كيفية قدرة الشركة على بيع كميات أقل مع الحفاظ في الوقت ذاته على مداخيل مليارية مستقرة؛ وهو ما يعزز الاستنتاج القائل بأن مستويات التسعير المرتفعة نجحت في تعويض النقص الحاصل في حجم المبيعات، متسببة في واقع مفاده أن الأسر المغربية باتت تدفع تكلفة أكبر مقابل الحصول على كميات أقل من مادة حيوية لا غنى عنها في الحياة اليومية.
إن انخفاض حجم الاستهلاك لا يعبر سوى عن تراجع القدرة الشرائية للطبقات الهشة والطبقة الوسطى، التي أصبحت تقتصد حكماً حتى في استهلاك المواد الأساسية كالغاز المنزلي نتيجة تراكم ضغوط الغلاء والتضخم. وفي المقابل، تُظهر المؤشرات الموازية قوة مالية متينة لشركة «أفريقيا غاز»، حيث واصلت ضخ استثمارات هامة تجاوزت 193.8 مليون درهم خلال النصف الأول من السنة، مع بقاء صافي المديونية في حدود 215.5 مليون درهم، مما يضمن لها القدرة الاستثمارية العالية والتوسع رغم انكماش الكميات المباعة.

يمتد هذا الوضع ليمس أبعاداً سياسية وأخلاقية بالغة الحساسية، تتقاطع مع النقاش المحتدم بالمغرب حول مسألة تضارب المصالح والجمع بين المسؤولية الحكومية التنفيذية والنفوذ الاقتصادي في قطاعات حيوية. وإن تحقيق نتائج مالية مليارية من مادة أساسية تشكل شريان الحياة اليومية للبيوت المغربية، يفتح الباب واسعاً لإعادة النظر في آليات المنافسة والحوكمة، والتفكير في مدى منفعية هذه المعادلة الاقتصادية للطبقات الاجتماعية المتضررة.

تبقى نتائج النصف الأول من سنة 2026 لشركة «أفريقيا غاز» دليلاً واضحاً على الفجوة الكائنة بين الملاءة المالية للمؤسسات الكبرى والوضع الاقتصادي الواقعي للمواطن البسيط، مما يستدعي تدخلاً تنظيمياً يضمن التوازن المنشود بين ربحية الاستثمار وحماية العدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية للمجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى