
تتواصل حالة الاحتقان داخل المجلس الجماعي لأيت ميلك، في ظل استقالة جديدة هزّت المشهد المحلي، وتزامنها مع دعوى قضائية تروم تجريد أحد نواب الرئيس من صفته. غير أن التطورات الأخيرة كشفت عن مستوى أعمق من الخلاف، يتجاوز الإجراءات القانونية إلى صراع نفوذ وتحالفات متقلبة، باتت تلقي بظلالها على صورة المؤسسة المنتخبة برمتها.
تُوجَّه اتهامات لعدد من المنتخبين المنتمين لحزب التجمع الوطني للأحرار بكونهم لا يتحركون باستقلالية كاملة، بل يخضعون لتأثير شخصية نافذة بالمنطقة، وهو ما يطرح سؤالاً مقلقاً حول حدود القرار الحزبي المحلي ومدى استقلاليته. فإذا صحّ هذا المعطى، فإن الإشكال لا يكون فقط سياسياً، بل مؤسساتياً، لأن المنتخب يُفترض فيه أن يمارس صلاحياته وفق القانون وضميره، لا وفق إملاءات خارج إطار المؤسسات.
في المقابل، تبدو الجبهة الأخرى منقسمة بدورها. فمنتخبون كانوا إلى وقت قريب ضمن صفوف المعارضة، اختاروا الالتحاق بحزب الأحرار، ما اعتبره رفاق الأمس “انقلاباً” سياسياً. هذا التحول لم يمرّ دون تبعات، إذ سُجّلت تحركات قضائية ضد أحدهم بدعوى التجريد من الصفة، بينما تشير المعطيات إلى أن عضوة أخرى كانت في نفس المسار تعرضت لضغوط انتهت بتقديم استقالتها.
لكن، بعيداً عن تبادل الاتهامات، ينبغي التوقف عند جوهر المسألة: هل يتعلق الأمر فعلاً بصراع حول مبادئ وتصورات لتدبير الشأن المحلي، أم أنه مجرد إعادة ترتيب لموازين القوى داخل المجلس؟ لأن الفرق بين الحالتين جوهري؛ الأولى مشروعة في العمل السياسي، أما الثانية فتكرّس صورة سلبية عن الممارسة الحزبية وتضعف ثقة المواطنين.
الأخطر في كل ذلك أن الساكنة، التي ما تزال تواجه تحديات اجتماعية وتنموية حقيقية، تجد نفسها خارج معادلة الصراع. فبين استقالة وتجريد، وبين ولاءات متغيرة وضغوط متبادلة، يضيع النقاش حول البرامج والمشاريع والأولويات. وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: من يدفع ثمن هذا الاحتقان؟ بالتأكيد ليس المنتخبون وحدهم، بل المواطن الذي ينتظر طرقاً معبّدة، وخدمات محسّنة، واستجابة سريعة لحاجياته.
إن المرحلة تقتضي قدراً أكبر من الوضوح والمسؤولية. فإذا كانت هناك فعلاً تأثيرات غير معلنة في توجيه القرار المحلي، فالمطلوب هو الشفافية والمؤسساتية. وإذا كانت التحالفات تتغير بدافع القناعة السياسية، فذلك حق مكفول، لكن ينبغي أن يتم في إطار أخلاقي يحترم ثقة الناخبين.
أيت ميلك اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى إعادة الاعتبار لفكرة أن المجلس الجماعي وُجد لخدمة الصالح العام، لا لتصفية الحسابات. فاستمرار هذا المناخ المشحون لن يضعف خصماً سياسياً بعينه، بقدر ما سيُعمّق أزمة الثقة في العمل المحلي برمته.



