
لم تعد أزمة المحروقات في المغرب مجرد “سحابة صيف” عابرة في محطات الوقود، بل تحولت إلى ملف سياسي ساخن يضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع أسئلة “الأمن الاستراتيجي”. ففي خطوة لافتة من حيث التوقيت والمصدر، وجه النائب البرلماني خالد الشناق، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، سؤالاً كتابياً “حارقاً” إلى وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، يطالب فيه بكشف الحقيقة حول وضعية المخزون الاحتياطي للمملكة.
تستند مساءلة الشناق إلى واقع مرصود في الأسابيع الأخيرة؛ حيث شهدت عدة مناطق في المغرب “اختلالات ملموسة” في التزويد، وصلت إلى حد نفاد الوقود في بعض المحطات وإغلاق أخرى مؤقتاً. ورغم أن التبريرات الأولية ربطت الأمر بتأخر تفريغ ناقلات في الموانئ، إلا أن البرلماني الاستقلالي وضع إصبعه على الجرح: كيف يمكن لتأخر تقني بسيط أن يربك سوقاً وطنية بكاملها إذا كان المخزون القانوني (60 يوماً) متوفراً بالفعل؟
الوثيقة تذهب أبعد من ذلك، حيث تشكك بوضوح في “الرواية الرسمية” حول وفرة المخزون، معتبرة أن سرعة تأثر السوق تكشف أن ما يروج بخصوص الاحتياطي “لا ينعكس على أرض الواقع”، مما يفتح الباب أمام فرضيتين أحلاهما مر: إما عدم التزام شركات التوزيع بالحد الأدنى القانوني، أو وجود قصور واضح في مراقبة السلطة الوصية لهذا الالتزام.
ما يعطي لهذه المساءلة ثقلاً سياسياً مضاعفاً، هو أن النائب خالد الشناق ينتمي إلى حزب الاستقلال، وهو مكون أساسي في التحالف الحكومي. هذه الخطوة تعكس “صحوة رقابية” من داخل البيت الداخلي للأغلبية، حيث يبدو أن حساسية ملف الطاقة والضغط الشعبي دفعا بالبرلماني إلى تقديم المصلحة الوطنية والأمن الطاقي على الحسابات السياسية الضيقة.
في قلب هذا الجدل، أعاد السؤال الكتابي إحياء قضية مصفاة “لاسامير”. فقد تضمنت المراسلة سؤالاً مباشراً للحكومة: “هل فكرت الحكومة في إعادة تشغيل شركة لاسامير كحل واقعي وناجع لضمان المخزون الاحتياطي الاستراتيجي؟”. هذا التساؤل يعيد التأكيد على أن التخلي عن قدرات التكرير الوطنية جعل المغرب “عارياً” أمام تقلبات الأسواق الدولية واختناقات اللوجستيك، محولاً سيادة الطاقة إلى رهينة في يد الموردين والظروف المناخية.
تضع هذه المبادرة البرلمانية وزارة الانتقال الطاقي في زاوية ضيقة. فالإجابة المطلوبة ليست مجرد أرقام صماء، بل هي كشف عن آليات الرقابة على الشركات الفاعلة في القطاع.
هل نحن أمام إنذار مبكر لأزمة أكبر؟ الأيام المقبلة، وبناءً على رد الوزارة، ستكشف ما إذا كان المغرب يمتلك فعلاً “وسادة أمان” طاقية كافية، أم أن نموذج تدبير المحروقات يحتاج إلى جراحة قيصرية تبدأ من مراقبة المخزون وتمر عبر إحياء التكرير الوطني، وصولاً إلى ضمان حق المواطن في التزود الدائم والمستقر.




