400 مليون ديال البسطيلة.. تصريح ناري يفجر فضائح الغرفة الفلاحية لسوس ماسة

لم يحتج سعيد الماسي، عضو الغرفة الفلاحية لجهة سوس ماسة عن حزب الأصالة والمعاصرة، إلى لغة دبلوماسية وهو يتحدث بمدينة تارودانت عن واقع المؤسسة التي يفترض أن تكون صوت الفلاحين والمدافع الأول عن مصالحهم. الماسي اختار لغة مباشرة وصادمة، ووجّه انتقادات قوية لطريقة تدبير وتسيير الغرفة، واضعاً سؤال المردودية مقابل الأموال المصروفة في صلب النقاش. وخلال لقاء تواصلي نظمته الأمانة المحلية لحزبه، كشف الماسي أن مبالغ مالية مهمة تُصرف داخل الغرفة سنوياً دون أثر يوازي حجم هذه الموارد على أرض الواقع، صائغاً عبارته التي فجّرت المداخلة بكل صراحة: «كناكلو كل عام 400 مليون ديال البسطيلة فالغرفة الفلاحية، ما درنا فيها والو، غير الشفوي والهدرة خاوية».

هذا التصريح الثقيل يضع مردودية مؤسسة منتخبة بأكملها أمام المساءلة؛ فإذا كان الرقم دقيقاً، يبرز السؤال الجوهري حول ما يحصل عليه الفلاح مقابل كل هذه الموارد. فالفلاح في سوس ماسة لا يعيش ظروفاً تسمح له بالاستماع إلى خطابات عامة ووعود انتخابية متكررة، في ظل قطاع يواجه أزمات مركبة تشمل تفاقم ظاهرة الجفاف، وندرة المياه، والارتفاع المهول في كلفة الإنتاج، وتقلبات الأسواق، ومشاكل التسويق وتحديات التصدير. وأمام هذه الإكراهات، يحتاج القطاع إلى مؤسسات قوية وفعالة، لا إلى مجرد اجتماعات ومحاضر وصور ومشاركات في المناسبات. ومن هنا تكتسب تصريحات الماسي خطورتها، إذ يحق للفلاح المطالبة بجرد دقيق للمشاريع المنجزة، وحجم الاعتمادات المصروفة، وأثرها المباشر على معيشه اليومي، وعدد الملفات التي تم حلها فعلياً بدل أن تبقى حبيس الأوراق.

ولم تتوقف الانتقادات عند الجانب المالي، بل طالت طريقة اشتغال عدد من المسؤولين والأعضاء داخل الغرفة، حيث أشار الماسي إلى انشغال بعض نواب الرئيس وأعضاء المكتب بتعاونيات مرتبطة بهم شخصياً وبالمشاركة في المعارض. هذا المعطى يطرح علامات استفهام حول ما إذا كانت بعض مواقع المسؤولية قد تحولت إلى وسيلة لخدمة المصالح الخاصة وتضارب الإشراف، بدلاً من خدمة عموم الفلاحين، لأن الغرفة الفلاحية ليست نادياً خاصاً أو منصة لتلميع الأسماء، بل مؤسسة يظل معيارها الأول والأخير هو النهوض بالقطاع.

كما أثار الماسي مسألة إهمال بعض المسؤولين للبعد الترابي والمهام المرتبطة بالغرفة، مستحضراً منطقة «المعذر» ومشيراً إلى وجود خلط لدى بعض القائمين على المؤسسة حول تحديد المنطقة المقصودة. وهذا التفصيل، رغم بساطته الظاهرة، يحمل دلالات عميقة؛ إذ كيف يمكن لمسؤول منتخب أن يدافع عن الفلاحين ويحل مشاكلهم الميدانية وهو يجهل الدوائر والخصوصيات الجغرافية والترابية التي تقع ضمن نطاق تدخله؟

لكن المداخلة انتقلت إلى منحنى أكثر خطورة عندما تطرق الماسي إلى طبيعة التمثيلية داخل الغرفة، منتقداً بشدة وصول من وصفهم بـ«الانتهازيين والسماسرة» إلى مواقع القرار. يضع هذا التوصيف القضية في سياقها السياسي والمؤسساتي، حائراً بين ما إذا كان يصل إلى هذه المؤسسات الفلاح الحقيقي الذي يعاني مع أزمات القطاع اليومية، أم أن بعض المقاعد أصبحت خاضعة للحسابات الانتخابية والامتيازات الشخصية. إن وصول عناصر تفتقر لروح المسؤولية إلى مراكز التمثيلية ينتهي حتماً برهن المؤسسة في دائرة كثرة الكلام وقلة المردودية.

تستوجب تصريحات سعيد الماسي فتح نقاش مؤسساتي جاد لا يقف عند حدود الإثارة الإعلامية، فالأمر يتعلق بالمال العام، والشفافية، وحقيقة الخدمة المقدمة لفلاحي الجهة. فإذا كانت الأرقام غير دقيقة، فإن تقديم الوثائق والأرقام الرسمية كفيل بتوضيح الحقيقة للرأي العام، أما إذا كانت المعطيات صحيحة، فإن الفلاحين يستحقون معرفة أوجه صرف هذه الأموال والنتائج المترتبة عنها. وفي نهاية المطاف، لا يحتاج الفلاح إلى مؤسسة تكتفي بعقد الاجتماعات واستهلاك الميزانيات، بل إلى سند حقيقي عند جفاف المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج،

فهل سيتم فتح تحقيق بشفافية لتقديم الحساب بالأرقام، أم ستمر هذه التصريحات كسابقاتها دون جواب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى