
في الوقت الذي يجري فيه تقديم تراجع انتشار البعوض بأيت ملول باعتباره انتصاراً للمجلس الجماعي الحالي، تطرح حصيلة الولاية أسئلة أكبر بكثير من سؤال: هل اختفى «الناموس» أم لا؟ فأيت ملول، خلال الولاية الحالية، عاشت مرحلة صعبة على مستوى عدد من الخدمات والمرافق المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للسكان، وفي مقدمتها وضعية الطرق، والنظافة، وتجهيزات ووسائل التدخل التابعة لهذا القطاع. وإذا كان من حق أي مجلس جماعي أن يحتفي بأي نتيجة إيجابية يحققها، فإن من حق السكان والرأي العام أيضاً أن ينظروا إلى الحصيلة كاملة، لا أن يتم اختزالها في ملف واحد، مهما كانت أهميته.
من أبرز الملفات التي أثارت انتقادات واسعة خلال هذه الولاية وضعية عدد من الطرق والشوارع، التي عرفت تدهوراً في أجزاء مختلفة من المدينة. فالطريق ليست مجرد إسفلت، وإنما جزء أساسي من جودة الحياة اليومية للمواطن، ومن جاذبية المدينة للاستثمار، ومن سلامة الراجلين ومستعملي السيارات والدراجات. ولهذا، فإن تقييم أي ولاية جماعية ينبغي أن ينطلق من سؤال بسيط: ماذا تغير فعلياً في البنية التحتية للمدينة مقارنة بما كان عليه الوضع عند بداية الولاية؟
أما قطاع النظافة، فهو أكثر الملفات وضوحاً أمام المواطن؛ إذ لا يحتاج الساكن إلى تقرير تقني حتى يعرف إن كانت المدينة نظيفة أم لا، بل يكفيه أن يخرج من منزله ويرى حالة الحاويات، وانتشار النفايات، وطريقة جمعها، ونظافة الشوارع والأحياء. وخلال الولاية الحالية، طُرحت انتقادات بشأن تراجع مستوى النظافة وتقادم جزء من العتاد المخصص لهذا القطاع، في وقت يفترض فيه أن تكون النظافة إحدى أولويات أي جماعة حضرية. والأكثر إثارة للانتباه أن تعزيز القطاع بوسائل جديدة لم يكن كافياً، في حد ذاته، لضمان استدامة الخدمة.
فبحسب المعطيات المتداولة، عمل عامل إقليم إنزكان آيت ملول محمد الزهر على توفير حاويات جديدة وشاحنات لفائدة المدينة، وهي خطوة كان يفترض أن تمنح قطاع النظافة نفساً جديداً. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا حدث لهذه المعدات بعد ذلك؟ إذا كانت بعض الحاويات قد تعرضت للاهتراء في فترة قصيرة، فالمشكل لا يتعلق فقط بتوفير المعدات، وإنما أيضاً بالصيانة والتتبع وحسن التدبير؛ فالآلية الجديدة لا يمكن أن تبقى جديدة إلى الأبد إذا لم تكن هناك صيانة منتظمة ومراقبة ميدانية وتدبير عقلاني للاستغلال.
وهنا نصل إلى جوهر الحكامة؛ فتوفير شاحنات وحاويات جديدة خطوة إيجابية، لكن القيمة الحقيقية لأي استثمار عمومي تكمن في قدرته على الاستمرار في تقديم الخدمة. فما الجدوى من اقتناء معدات جديدة إذا عادت بعد مدة قصيرة إلى حالة من التدهور؟ وما جدوى وضع حاويات جديدة في الأحياء إذا لم تتم صيانتها ومراقبة وضعيتها بشكل دوري؟ الحكامة لا تقاس فقط بما يتم اقتناؤه، وإنما أيضاً بما يتم الحفاظ عليه.
لهذا، فإن الاحتفاء بتراجع البعوض، إن ثبت ميدانياً واستمر على المدى الطويل، أمر إيجابي ولا ينبغي التقليل منه. لكن تحويل هذا الأمر إلى عنوان للحصيلة الجماعية يطرح سؤالاً مشروعاً: هل أصبح نجاح الجماعة يقاس بقدرتها على القضاء على البعوض، بينما تظل ملفات الطرق والنظافة وصيانة التجهيزات والخدمات اليومية مفتوحة على أسئلة كثيرة؟
المطلوب ليس مهاجمة المجلس الحالي، ولا الدفاع عن المجالس السابقة، بل المطلوب هو حصيلة موضوعية تجيب عن أرقام محددة: كم شارعاً تم إصلاحه؟ كم كيلومتراً من الطرق تمت إعادة تأهيلها؟ كم حاوية تم اقتناؤها؟ كم منها ما زال صالحاً للاستعمال؟ كم شاحنة توجد فعلياً في الخدمة؟ ما حجم الاعتمادات المخصصة للنظافة؟ وما هي كلفة الصيانة؟ وما هي آليات التتبع والمراقبة؟ هذه هي الأسئلة التي تسمح للمواطن بالحكم على الحصيلة بعيداً عن لغة الدعاية السياسية أو السخرية من المجالس السابقة.
المواطن الملولي لا يريد فقط أن ينام دون طنين البعوض، بل يريد مدينة بشوارع جيدة، وأحياء نظيفة، وحاويات صالحة للاستعمال، وشاحنات تشتغل بانتظام، وتجهيزات يتم الحفاظ عليها، وخدمات جماعية تواكب حجم المدينة وتحولاتها. وإذا كان المجلس الحالي قد نجح فعلاً في معالجة ملف البعوض، فذلك يستحق التنويه. لكن النجاح في تدبير مدينة بحجم أيت ملول لا يمكن اختزاله في القضاء على حشرة، كما لا يمكن اختزال فشل المجالس السابقة في عجزها عن القضاء عليها.
الحصيلة الحقيقية يجب أن تكون أكبر من ذلك بكثير؛ لأن السؤال الذي يهم المواطن في نهاية المطاف ليس: من هزم «الناموس»؟ بل: من نجح في تحسين حياة الملوليين؟ ومن فشل؟ وبأي أرقام؟ وبأي وثائق؟ وهنا تحديداً تبدأ المحاسبة السياسية الحقيقية، بعيداً عن الطنين… سواء كان طنين البعوض أو طنين الخطاب السياسي.
A.Bout



