مجموعة “أيت العاتي” وتساؤلات البرمجة في مهرجانات سوس ماسة: هل غاب الإنصاف؟

أعادت مجموعة “أيت العاتي” الغنائية فتح النقاش الساخن حول معايير اختيار الفنانين في مهرجانات جهة سوس ماسة، معبرة عن احتجاجها على ما تصفه بـ”التهميش” والإقصاء الذي يطالها، رغم مسيرتها الفنية الحافلة التي تتجاوز نصف قرن من العطاء. ويأتي هذا الاحتجاج تزامناً مع حلول الموسم الصيفي الذي يشهد حركية ثقافية مكثفة وكثرة المهرجانات والسهرات الفنية بمختلف مناطق الجهة؛ حيث تتساءل المجموعة عن سبب غياب اسمها عن منصات هذه التظاهرات مقابل تكرار أسماء فنية معينة في عدة مناسبات. وفي غياب منصة رسمية موحدة تنشر البرمجة النهائية لجميع مهرجانات سوس ماسة، يبقى الحديث عن غياب شامل للمجموعة موقفاً صادراً عن أعضائها لا يمكن تعميمه أو تأكيده رقمياً بالنسبة لكافة المهرجانات، لكنه يطرح علامات استفهام كبرى حول تدبير الشأن الثقافي بالمنطقة.

وفي هذا الصدد، عبر الفنان عبد القادر أوالعاتي عن استياء المجموعة العميق من طريقة تعامل بعض إدارات المهرجانات معها، مؤكداً أن تجاهل فرقة ذات تاريخ عريق يمتد لعقود أمر غير مقبول ولا يليق بمكانتها. وأوضح أوالعاتي أن المجموعة لا تطالب بامتيازات خاصة أو تفضيلية، بل تنادي فقط بالإنصاف والشفافية في التعاطي مع المبدعين؛ مشدداً على أن قيمة الفنان الحقيقية يجب أن تقاس بأثره وإرثه الفني الممتد، وليس بمنطق العلاقات الشخصية والمجاملات الضيقة، ومؤكداً في الوقت ذاته على حق جمهور المجموعة العريض في رؤية روادهم المفضلين حاضرين بقوة على منصات العرض الحية.

ويعود تاريخ تأسيس مجموعة “أيت العاتي” إلى سنة 1972 بحي المزار بمدينة أيت ملول، حيث يقودها الفنان حسن أوالعاتي، الذي يُعد من الرواد البارزين للمجموعات الغنائية الأمازيغية، والذي صقل موهبته بدراسة الموسيقى بالمعهد الموسيقي بأكادير سنة 1999. ويضم رصيد المجموعة الغني 15 ألبوماً غنائياً وفيلمي فيديو موسيقيين، مكرسة بذلك حضوراً فنياً وازناً قارب الـ 54 سنة من العطاء المستمر بين عامي 1972 و2026. وقد شهدت الفرقة تطوراً في اسمها وبنيتها العائلية؛ إذ بدأت مسيرتها تحت اسم «الأحباب»، ثم تحولت إلى «إمرجان»، لتستقر لاحقاً على اسم «أيت العاتي». وتحتفظ المجموعة بطابعها العائلي المتماسك الذي ضم الإخوة حسن، عبد الله، الحسين، وإبراهيم، قبل أن ينضم إليها جيل جديد من الأبناء كعبد القادر وحمزة، وهو الامتداد العائلي الذي ساعد على استمرار التجربة ونقل الخبرة الموسيقية بين الأجيال بسلاسة.

وقد ارتبط اسم المجموعة تاريخياً بلون “تكروبيت” أو “تيروبا” الموسيقي، وهو نمط يعتمد على الغناء الجماعي والتناغم الرفيع بين الكلمات والآلات والإيقاع. وتستعمل المجموعة في عزفها توليفة من الآلات تشمل القيثارة، البانجو، الطام طام، البندير، والناقوس، وتتميز عروضها بالسرعة الإيقاعية والتناسق الحركي الجذاب فوق الخشبة، وهي العناصر التي ساهمت بها المجموعة في تطوير هذا اللون ونقله من الحفلات العائلية المحلية إلى الأشرطة السمعية والمنصات الكبرى. ويزخر ريبيرتوار الفرقة بأعمال شهيرة حفظتها الذاكرة الجماعية مثل «نضالب لخير»، «رواح أزين رواح»، «تميمت أدونيت»، و«إيه وإيه وعاد الحنة». ولم تتوقف المجموعة عن الإنتاج، حيث أصدرت عام 2025 أغنية جديدة بعنوان «إستهل الزين»، وشاركت في مهرجان إيمينيك في السنة ذاتها، مؤكدة أنها تجربة فنية حية ومستمرة وليست إرثاً من الماضي.

وعلى مدار تاريخها، بصمت المجموعة على مشاركات متميزة في مهرجانات كبرى، لعل أبرزها مهرجان تيميتار بأكادير خلال دورات 2008، 2015، و2019، إلى جانب تظاهرات فنية في الدشيرة، إنزكان، ماسة، وتيزنيت، فضلاً عن تقديمها سهرات خارج أرض الوطن ونيلها شهادات تقدير وتكريمات متعددة من جماعات ترابية وجمعيات مدنية. ومع ذلك، ترى المجموعة أن دروع التكريم والاحتفاء الرمزي لا يمكن أن تعوض الحضور الفني الحي والتفاعل المباشر مع الجماهير فوق منصات المهرجانات الصيفية.

ويفتح هذا النداء نقاشاً واسعاً ومبرراً حول آليات البرمجة؛ فبينما تتهم المجموعة جهات منظمة بإعادة برمجة الأسماء نفسها مراراً وتكراراً، يبقى من الصعب تأكيد هذا الاتهام بشكل قطعي في غياب نشر لوائح المشاركين والميزانيات ومعايير الاختيار المعتمدة. ومن هنا، تطالب المجموعة بالكشف عن كيفية اختيار الفرق الفنية، لاسيما في المهرجانات التي تحظى بدعم عمومي وسخاء مالي من دافعي الضرائب. وتتجلى الشفافية المطلوبة في إعلان معايير واضحة توازن بين القيمة الفنية، والتنوع الثقافي، وتجديد الوجوه، وضمان تمثيلية الأجيال الفنية المختلفة.

إن المهرجان ذو الهوية الأمازيغية لا ينبغي أن ينحصر دوره في استقطاب الأسماء الأكثر انتشاراً أو إثارة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تقع على عاتقه وظيفة ثقافية وتوثيقية لحفظ الذاكرة الفنية للمنطقة. ويمكن لإدارات المهرجانات بناء برمجة متوازنة تجمع بذكاء بين الرواد والشباب والأسماء الجماهيرية، مع تخصيص فقرات مخصصة لمدارس موسيقية عريقة مثل “تكروبيت” للتعريف بها لدى الأجيال الجديدة وحمايتها من الاندثار. فالقضية اليوم لا تخص مجموعة “أيت العاتي” وحدها، بل تعكس مصير عدد كبير من رواد الموسيقى السوسية والأمازيغية؛ إذ لا ينبغي للمشهد الفني أن يحتكر من طرف فئة محدودة، فحماية التراث الحقيقي لا تتحقق بالاحتفاء البروتوكولي وتوزيع شواهد التقدير، بل بإبقاء هؤلاء المبدعين فاعلين ومشاركين على أرض الواقع.

وتتجلى المفارقة بوضوح حين نرى القناة الثانية (2M) تخصص للمجموعة حلقة خاصة من برنامج «عطاء بلا حدود» في فبراير 2026 اعترافاً بقيمتها الفنية والتاريخية، في الوقت الذي تشكو فيه الفرقة من ضعف حضورها في مهرجانات جهتها سوس ماسة. ولتجاوز هذا الخلل، تبرز مطالب عملية ملحة تتمثل في نشر معايير البرمجة بشكل مكتوب وواضح، الإعلان عن لجان الاختيار، فتح باب الترشيح رسمياً أمام كافة الفنانين، وتوضيح كوطا المشاركة بين الرواد والأسماء الحديثة.

ورغم غياب أي رد رسمي مباشر حتى الآن من لدن إدارات المهرجانات أو المؤسسات الوصية بجهة سوس ماسة على نداء المجموعة، فإن المطالب المرفوعة تظل مشروعة؛ فالفرقة لا تبحث عن صدقة فنية، بل تطالب بمعاملتها كتجربة إبداعية نابضة بالحياة وقادرة على العطاء، بناءً على جودة منتوجها الحالي وتنوع رصيدها، مما يضع منظمي التظاهرات بالجهة أمام سؤال مركزي ومحرج: هل تحتفي مهرجانات سوس ماسة فعلاً بذاكرتها الفنية الحية، أم تكتفي بإعادة تدوير البرمجة ذاتها كل عام؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى