
تعيش إدارة مجلس جهة سوس ماسة هذه الأيام على وقع ارتباك تنظيمي غير مسبوق، عقب قرار رئاسة المجلس سحب تفويض التوقيع من مدير المصالح الحالي، وتكليف رئيس قسم وُصف بـ“المقرب” بمهام التوقيع بشكل مؤقت، مع إحالة كافة الوثائق والملفات الإدارية مباشرة على مكتب رئيس الجهة. خطوة وُصفت داخل أروقة الإدارة بـ“الزلزال الإداري”، لما خلفته من حالة ترقب وقلق وسط الموظفين والأطر.
هذا القرار المفاجئ أدخل الإدارة في مرحلة ضبابية، خاصة مع تزامنه مع حديث متصاعد عن هيكلة إدارية جديدة وتعيينات مرتقبة في مناصب المسؤولية. وبين من يعتبر الأمر تصحيحًا لمسار تدبيري تعثر في الآونة الأخيرة، ومن يراه بداية لإعادة ترتيب الأوراق وفق منطق الولاءات، يبقى القاسم المشترك هو حالة الانتظار المشوبة بالحذر.
وتعود جذور الأزمة إلى ظروف التعاقد مع المدير الحالي، الذي تم استقدامه من قطاع التجهيز والماء بعد بلوغه سن التقاعد، ومنحه تعويضات مالية وُصفت بـ“المهمة”، وذلك عقب الاستغناء عن المدير السابق في سياق أثار حينها موجة من الانتقادات.
هذا التعيين لم يمر دون تداعيات داخلية، إذ عبر عدد من رؤساء الأقسام عن استيائهم، معتبرين أنفسهم أحق بالمنصب من خلال ترقية داخلية تكرس مبدأ الاستحقاق وتثمين الكفاءات المحلية. غير أن رئاسة المجلس تمسكت آنذاك بخيار “البروفايل” الخارجي، قبل أن تصل التجربة إلى ما يشبه حالة الجمود الإداري، انتهت بسحب تفويض التوقيع وتجريد المدير من صلاحياته العملية.
و وفق المعطيات المتداولة، تتجه الإدارة الجهوية نحو مرحلة إعادة هيكلة قد تشمل تكليفًا مؤقتًا لرئيس قسم بتدبير المهام الجارية لضمان استمرارية المرفق العام و تغييرات جذرية عبر دمج أو حذف بعض المصالح، مع إمكانية إبعاد مسؤولين عمروا طويلًا في مواقع القرار.
وضعًا استثنائيًا يواصل فيه المدير “المسحوب التوقيع منه” الحضور الإداري، لضمان حقوقه التعاقدية، رغم فقدانه سلطة القرار الفعلي.
هذه السيناريوهات المتداولة تغذي حالة التوجس، خاصة في ظل غياب تواصل رسمي مفصل يشرح خلفيات القرار وخارطة الطريق المقبلة.
الاحتقان لم يقتصر على مسألة التفويض والهيكلة، بل امتد إلى طريقة تدبير مباريات بعض المناصب الحساسة. فقد عبّرت أطر داخل الجهة عن تساؤلات بشأن معايير الشفافية، خصوصًا بعد حصر المقابلات الشفهية في مترشحين اثنين فقط من أصل أربعة في إحدى المباريات، مع إعلان النتائج في وقت قياسي، ما فتح الباب أمام قراءات متباينة.
أمام هذا الوضع، ترتفع مطالب بضرورة توضيح معايير الانتقاء والتعيين بشكل دقيق وعلني و تكريس مبدأ تكافؤ الفرص وتثمين الكفاءات الداخلية وإنهاء حالة الضبابية التي قد تنعكس سلبًا على مصالح المرتفقين والمستثمرين بالجهة.
المرحلة الحالية تضع مجلس الجهة أمام اختبار حقيقي في مجال الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فإما أن تشكل الهيكلة المرتقبة فرصة لضخ دماء جديدة وتعزيز الفعالية الإدارية، أو تتحول إلى مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل “مطبخ” القرار، تُثبَّت من خلالها موازين قوى جديدة.
ويبقى السؤال الجوهري معلقًا:
هل سيخرج مجلس جهة سوس ماسة من هذا “الزلزال” الإداري أكثر تماسكًا وشفافية، أم أن ارتداداته ستستمر في إرباك الإدارة وتغذية الشكوك حول منطق تدبير الشأن الجهوي؟



