
شهد إقليم إقليم اشتوكة آيت باها خلال الأيام الماضية تساقطات مطرية مهمة خلفت فيضانات وأضرارا مادية بعدد من الدواوير والجماعات، غير أن الحدث، وإن لم يكن استثنائياً من حيث كمية الأمطار أو حجم الخسائر، فقد كان لافتاً من زاوية أخرى أكثر عمقاً: زاوية الحضور الميداني وروح المسؤولية.
فمنذ الساعات الأولى، برزت تعبئة شاملة لمختلف السلطات المحلية ومصالح الدرك الملكي والقوات المساعدة والوقاية المدنية، إلى جانب باقي مكونات لجنة اليقظة، التي ظلت مرابطة على مدار الساعة للتدخل السريع وفك العزلة عن المناطق المتضررة وتأمين سلامة الساكنة.
وقد عاين المواطنون تنقلات ميدانية متواصلة لعامل الإقليم بين الجماعات المتضررة، في أوقات متأخرة من الليل، للإشراف المباشر على عمليات التدخل، وفتح المسالك، وتقديم الدعم للأسر التي حاصرتها السيول. مشاهد جسدت معنى القرب من المواطن، وأعادت الثقة في مؤسسات تضع خدمة الساكنة فوق كل اعتبار.
هذا الحضور الميداني المكثف لم يكن مفاجئاً، بقدر ما عكس استمرارية في نهج تدبيري يقوم على المواكبة اليومية والانخراط الفعلي في معالجة الإكراهات، سواء في أوقات الرخاء أو خلال لحظات الشدة. وهو ما خلف ارتياحاً واسعاً لدى الشتوكيين الذين لمسوا أن مؤسسات الدولة كانت إلى جانبهم في الميدان، لا في التصريحات فقط.
لكن في المقابل، أثارت الفيضانات أيضاً تساؤلات حول أدوار بعض الفاعلين الآخرين، خاصة المنتخبين والبرلمانيين وبعض الفاعلين الاقتصاديين الكبار، الذين ظل حضورهم باهتاً أو غائباً خلال هذه الظرفية الاستثنائية. ففي الوقت الذي كانت فيه الفرق الميدانية تشتغل ليل نهار، انتظر المواطنون مبادرات تضامنية أو مساهمات عملية لدعم الأسر المتضررة أو إصلاح الأضرار، دون أن يلمسوا الشيء الكثير.
وتضاعفت علامات الاستفهام بشأن مسؤولية بعض المستثمرين الفلاحيين الكبار الذين يستفيدون من خيرات المنطقة وبنيتها التحتية، في ظل غياب مبادرات واضحة لمساندة الساكنة أو المساهمة في إعادة تأهيل الطرق والمسالك التي تستغلها أنشطتهم بشكل يومي.
لقد كشفت هذه الفيضانات، مرة أخرى، أن الأزمات ليست فقط اختباراً للبنيات والتجهيزات، بل هي أيضاً اختبار للقيم وروح المواطنة. ففي مثل هذه اللحظات، تتضح الفوارق بين من يعتبر المسؤولية خدمة يومية، ومن يكتفي بالشعارات أو بالمصالح الضيقة.
ويبقى الأمل أن تتحول هذه التجربة إلى مناسبة لتعزيز ثقافة التضامن وتقاسم المسؤولية بين جميع المتدخلين، حتى يكون تدبير الأزمات شأناً جماعياً يشارك فيه الجميع، خدمةً لتنمية الإقليم وصون كرامة ساكنته.



