
عاد ملف مشروع “سويقة الجرف” بمدينة إنزكان إلى واجهة النقاش المحلي، عقب خروج المستشار الجماعي بويا الركوك في شريط فيديو كشف فيه عما اعتبره اختلالات وشبهات تضارب مصالح مرتبطة بطريقة تهيئة محيط المشروع. غير أن هذا النقاش لم يتوقف عند الجانب العمراني والتقني، بل تزامن مع مستجدات قانونية تتعلق بمسطرة العزل التي تلاحقه رفقة منتخبين آخرين، مما أضفى على الملف أبعاداً سياسية وقانونية متداخلة.
بحسب المعطيات التي عرضها الركوك، فإن العقار المخصص لإحداث “سويقة الجرف” يعود في الأصل إلى عائلة معروفة بالمنطقة، كانت قد قدمته كـ “هبة” لفائدة جماعة إنزكان خلال الولاية السابقة. وتبلغ مساحة العقار حوالي 3347 متراً مربعاً، خُصصت لإحداث سوق محلي يخدم ساكنة حي الجرف.
غير أن الإشكال، حسب طرحه، لا يتعلق بالبقعة الموهوبة في حد ذاتها، بل بتجزئة سكنية مجاورة تابعة للعائلة نفسها تمتد على مساحة تقارب هكتاراً ونصفاً. ويؤكد الركوك أن الجماعة قامت بتهيئتها من حيث الطرقات والإنارة وشبكات الصرف الصحي رغم كونها ملكاً خاصاً، وهو ما يثير تساؤلات حول مشروعية توجيه المال العام لتجهيز عقار خاص خارج نطاق المرفق العمومي.
وفي هذا السياق، يطرح الملف إشكالاً أساسياً يستدعي التمييز بين احتمالين:
أن تكون الأشغال المنجزة تدخل ضمن تهيئة الولوجيات والمحيط المباشر لمرفق عمومي مستقبلي، وهو ما يندرج في إطار المصلحة العامة.
أن تكون قد شملت تجهيزاً شاملاً لعقار خاص لا يدخل ضمن التزامات الجماعة، وهو ما يستوجب التدقيق والمحاسبة.
لبس في “تسمية الصفقة” وكلفة مالية باهظة
من النقاط التي أثارها الركوك أيضاً، عنوان الصفقة كما هو مدون في اللوحة الإشهارية بالموقع، والذي يشير إلى: “أشغال تهيئة فضاء لإعادة إيواء بائعي المتلاشيات بإنزكان – بناء طرقات هذا الفضاء”. ويرى المستشار أن هذا العنوان يطرح لبساً كبيراً؛ كون بائعي المتلاشيات قد جرى ترحيلهم فعلياً منذ سنتين إلى فضاء مخصص بمدينة أيت ملول، مما يفتح الباب أمام التساؤل: هل يتعلق الأمر بإعادة توظيف إداري لتسمية سابقة من أجل تمرير الصفقة؟ وتكتسي هذه التساؤلات أهمية إضافية بالنظر إلى القيمة المالية للمشروع التي تقارب 4,659,720 درهماً.
تضارب المصالح.. بين الوقائع والتكييف القانوني
تزامنت هذه الخرجات الإعلامية مع إحالة بويا الركوك ومنتخبين آخرين على المحكمة الإدارية بأكادير، بطلب من عامل عمالة إنزكان أيت ملول، استناداً إلى مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14، بدعوى وجود حالات تنافٍ وتضارب مصالح.
وتستند الإحالة إلى المادة 65 من قانون الجماعات الترابية، التي تحظر على المنتخبين ربط مصالح خاصة أو علاقات تعاقدية مع الجماعة التي ينتمون إليها تحت طائلة العزل.
“لا رجعية للقوانين”.. دفوعات المستشار
في معرض دفاعه، يرى الركوك أن استهدافه بمسطرة العزل يفتقر للمسوغ القانوني، موضحاً أن استفادته من قرار مؤقت لاحتلال الملك العام بسوق الجملة للخضر والفواكه تعود إلى سنة 1999 (كتاجر للطماطم)، أي قبل التحاقه بعضوية المجلس بسنوات طويلة. وبناءً عليه، يرى أن هذه الاستفادة لا يمكن اعتبارها حالة تضارب مصالح لكونها لم تنشأ أثناء ممارسته لمهامه الانتدابية.
واستند الركوك في حججه إلى الفصل السادس من الدستور المغربي الذي ينص على أن “القانون ليس له أثر رجعي”، معتبراً أن دورية وزير الداخلية هي “دورية توجيهية” لا يمكنها أن تعلو على الدستور أو تلغي مقتضياته.
تساؤلات حول “انتقائية” العزل
أثار الركوك أيضاً علامات استفهام حول ما سماه “انتقائية” في تطبيق القانون، متسائلاً عن سبب حصر مسطرة العزل في 5 أشخاص فقط من أصل 9 توصلوا باستفسارات سابقاً. كما أشار إلى أن العامل السابق كان قد اقتنع بدفوعاته سنة 2022 ولم يدرج اسمه في لوائح الإحالة آنذاك، مما جعله يلمح إلى وجود “تصفية حسابات سياسية” ناتجة عن انتقاداته المستمرة لتدبير رئيس جماعة إنزكان عبر الفيديوهات.
يبقى السؤال الجوهري الذي يشغل الرأي العام المحلي: كيف وجهت أموال عمومية لتجهيز محيط ملك خاص؟ ولماذا لم تشمل مساطر العزل جميع الحالات المتشابهة؟
إن الحسم النهائي في هذه التداخلات يبقى بيد القضاء الإداري والجهات الرقابية، لضمان تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بعيداً عن التجاذبات السياسية.



