إقليم اشتوكة آيت باها: حين تتحول “الطيبة” إلى مدخل للاستلاب السياسي

يعيش إقليم اشتوكة آيت باها، منذ سنوات، وضعاً مقلقاً على المستويين السياسي والتنموي؛ وضعاً لا يمكن فصله عن طبيعة النخب التي تعاقبت على تدبير شؤونه، ولا عن السياق الاجتماعي الذي سمح بترسيخ ممارسات بعيدة كل البعد عن روح الديمقراطية ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالإقليم، المعروف تاريخياً بـالطيبة وبساطة أهله، تحوّل تدريجياً إلى مجال مفتوح أمام فاعلين سياسيين لم يحققوا أي إضافة نوعية للتنمية المحلية، لكنهم أتقنوا فنون التحكم في الخريطة الانتخابية. لقد استثمر هؤلاء في “ضعف الوعي السياسي” وحوّلوا الثقة الشعبية العفوية إلى رصيد خاص يُستثمر فقط لضمان الاستمرارية في الكراسي، بعيداً عن هموم الساكنة.

تدوير النخب وتكريس الجمود
منذ سنوات، ظلت الوجوه ذاتها متمسكة بمواقعها، تُعاد وتُكرر في المجالس المنتخبة، دون حصيلة ملموسة تُذكر، ودون مساءلة حقيقية عن الإخفاقات المتراكمة. ومع محطة انتخابات 2021، لم يشهد الإقليم القطيعة التي طمح إليها المواطنون؛ بل على العكس، أفرزت الصناديق وجوهاً “جديدة” في الشكل، لكنها مرتبطة عضوياً بنفس المنظومة التقليدية التي تُدبّر المشهد من خلف الستار.

“الرؤوس الكبيرة” وصناعة المشهد
إن وصول بعض الأسماء إلى قبة البرلمان في ظروف تثير الكثير من التساؤلات، وفي غياب مسار سياسي واضح أو عمل ميداني تراكمي، يعيد إلى الواجهة الحديث عن دور “اللوبيات المحلية”. هذه “الرؤوس الكبيرة” التي راكمت النفوذ والمال، نسجت شبكات مصالح معقدة مكنتها من التحكم في مفاصل القرار، وتحديد “بورصة” الصعود والإقصاء السياسي بناءً على الولاءات لا الكفاءات.

تحييد المعارضة وتكريس اليأس
لم تكتفِ هذه المنظومة بالتحكم في الانتخابات، بل عملت على تحييد كل صوت حر ومحاصرة أي محاولة جادة للتغيير. فكل من تجرأ على السباحة عكس تيار “المصالح الضيقة” وجد نفسه معزولاً، في مشهد يُفرغ العمل السياسي من نبله، ويحوّل المؤسسات إلى واجهات شكلية لتمرير صفقات وتفاهمات كبرى.

التحدي الراهن: من الاستسلام إلى الوعي
إن الخطر الحقيقي الذي يهدد اشتوكة آيت باها اليوم ليس سوء التدبير فحسب، بل هو تكريس ثقافة اليأس وإقناع المواطن بأن “اللعبة محسومة سلفاً”. هذه القناعة هي العدو الأول للتنمية؛ لأنها تجهز على الأمل في بناء نخبة محلية نزيهة قادرة على الترافع الحقيقي عن قضايا الإقليم، من قبيل أزمة الماء، الخصاص في البنيات التحتية بالدواوير الجبلية، وتهميش القطاع الفلاحي الصغير.

 إن الطيبة الأصيلة لأهل اشتوكة يجب ألا تكون “شيكاً على بياض” لشرعنة الاستغلال السياسي. إن استرجاع القرار المحلي يبدأ من المشاركة الواعية والقدرة على التمييز بين “الفاعل التنموي” وبين “المقاول السياسي” الذي يرى في الإقليم مجرد خزان انتخابي.

محمد الشتوكي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى