
تعيش المنطقة الشرقية لمدينة إنزكان على وقع جدل متصاعد، إثر “الزحف الإسمنتي” الذي طال مساحات كان يُفترض أن تكون متنفساً طبيعياً للساكنة، لتتحول بقدرة قادر إلى مرابد للسيارات وبنايات خرسانية. هذا التحول أثار موجة استياء واسعة بين الفعاليات المدنية والحقوقية، وسط تساؤلات مشروعة عن مدى احترام الجماعة الترابية لـ “تصميم التهيئة” المصادق عليه والذي يمتد مفعوله إلى غاية سنة 2032.
تصميم التهيئة.. حبر على ورق؟
تؤكد المعطيات أن تصميم التهيئة الحالي يحدد بشكل صريح عدداً من المواقع كفضاءات عمومية ومناطق خضراء، تهدف إلى تخفيف الضغط العمراني عن المدينة. غير أن الواقع الميداني، خاصة بمحيط “سوق الحرية” و”سوق المواشي” و”سوق الخضر والفواكه بالجملة”، يكشف صورة مغايرة؛ حيث جرى استغلال هذه الأوعية العقارية كمرابد سيارات مؤدى عنها، تدر أرباحاً مالية مهمة، بعيداً عما تنص عليه الوثائق التعميرية الرسمية.
ورغم أن الجهات المسؤولة بررت هذه الخطوات في بدايتها بأنها “إجراءات مؤقتة” لتدبير السير والجولان، إلا أن مرور الوقت حوّلها إلى وضع دائم، دون وجود أي مؤشرات ميدانية توحي بالعودة إلى تنزيل المساحات الخضراء المبرمجة، مما يعتبره مراقبون “التفافاً” على القانون التعميري.
من “فضاءات ترفيهية” إلى “أبراج إسمنتية”
لم يتوقف الأمر عند تحويل الساحات إلى مرابد، بل امتدت المخاوف لتشمل قلب المدينة. ففي الوقت الذي كانت تنتظر فيه الساكنة تحويل عقار سوق الخضر والفواكه القديم إلى فضاءات ترفيهية ومنتزهات تعوض الخصاص المهول في المتنفسات، تتجه جماعة إنزكان نحو المصادقة على مشاريع تجارية ضخمة.
ويأتي مشروع “البرج الأخضر” في مقدمة هذه المخططات، وهو مشروع يغلب عليه الطابع الإسمنتي التجاري، مما يعمق أزمة المدينة التي تفتقر أصلاً لمقومات “المدينة الخضراء”. ويرى منتقدون أن إطلاق أسماء مثل “الأخضر” على مشاريع عقارية هو “تجميل لغوي” لواقع مرير يجهز على ما تبقى من فضاءات عمومية.
ساكنة في مهب التلوث والازدحام
إن استمرار هذا النهج في تدبير العقار العمومي بإنزكان يضع المدينة أمام تحديات بيئية وصحية خطيرة. فغياب المناطق الخضراء، مقابل التوسع في تشييد المركبات التجارية والمرابد، يزيد من حدة التلوث، ويرفع درجة الحرارة الحضرية، ويحرم الأسر من فضاءات طبيعية للترويح عن النفس.
تبقى الكرة الآن في مرمى سلطات الرقابة والجهات الوصية على التعمير، للتدخل وضمان احترام تصميم التهيئة 2032، قبل أن تتحول إنزكان إلى “غابة من الإسمنت” لا مكان فيها لغير التجارة وعوادم السيارات.



