
تعتبر قاعدة “التنافي” بين العضوية في الحكومة والصفة البرلمانية إحدى أهم الركائز الدستورية التي تضمن توازن المؤسسات السياسية واستقلاليتها. وعندما يتم تعيين نائب برلماني منتخب في منصب وزاري، وهو ما يُعرف سياسياً بـ”الاستوزار”، فإنه يُجبر بقوة الدستور والقوانين التنظيمية على التخلي عن مقعده النيابي لصالح المهام التنفيذية الجديدة، مغادراً بذلك قبة البرلمان نحو مكاتب الوزارات.
يستند هذا المنع الصريح للجمع بين الصفتين إلى المبدأ الديمقراطي الراسخ المتمثل في فصل السلطات. فمن غير المنطقي، ديمقراطياً ومؤسساتياً، أن يمارس شخص واحد دور التشريع ومراقبة العمل الحكومي داخل البرلمان، ويكون في الوقت ذاته عضواً في الحكومة التي تخضع لتلك المراقبة. هذا الفصل يضمن أن تمارس المؤسسة التشريعية دورها الرقابي بفعالية وحياد، ويمنع تضارب المصالح الذي قد ينشأ عن ازدواجية المهام، مما يجعل الوزير متفرغاً بالكامل لتنزيل السياسات العمومية وتدبير شؤون قطاعه.
وبمجرد الإعلان الرسمي عن تعيين النائب البرلماني في التشكيلة الحكومية، يتم تفعيل مسطرة التعويض لضمان استمرارية التمثيلية الشعبية للدائرة الانتخابية المعنية. وفي الأنظمة التي تعتمد الاقتراع باللائحة، يؤول المقعد الشاغر مباشرة إلى المرشح الذي يليه في الترتيب، أي “وصيف اللائحة”، ليلتحق بالبرلمان دون الحاجة إلى تنظيم انتخابات جزئية.
ويبرز هذا المعطى الدستوري والسياسي جلياً في الترتيبات الانتخابية، حيث تضع الأحزاب كفاءات قادرة على تحمل المسؤولية في المراتب المتقدمة. وعلى سبيل المثال، في حال تمكن البرلماني خالد الشناق من الفوز بمقعد نيابي جديد بصفته وكيلاً للائحة، وتم اختياره لاحقاً للاستوزار وتقلد منصب حكومي نظراً لكفاءته العالية وخبرته، فإن هذا التعيين سيُسقط عنه الصفة البرلمانية فوراً بسبب حالة التنافي. وفي هذه الحالة، سيصعد وصيفه في اللائحة، محمد بكيز، ليصبح برلمانياً بقوة القانون، ليأخذ مكانه تحت قبة البرلمان ويواصل مسار تمثيل الساكنة والدفاع عن البرنامج الحزبي.
يمثل انتقال السياسي من كرسي التشريع إلى مقعد التنفيذ عبر بوابة الاستوزار تجسيداً لدينامية التداول على تدبير الشأن العام. وبتفعيل مسطرة التنافي وصعود وصيف اللائحة، يضمن النسق المؤسساتي تجديد الدماء في المؤسسة التشريعية، مع الحفاظ على استمرارية العمل الحكومي، دون إخلال بصوت الناخب والتفويض الشعبي الذي أفرزته صناديق الاقتراع.



