من تزنيت إلى تيغمي: لعنة التدبير وقصور التبرير.

بوبكر بوديب. تزنيت

ما يحدث اليوم في كلٍّ من بلدية تزنيت وجماعة تيغمي، المسيرتين من طرف حزب الأحرار، لا يمكن وصفه بمجرد “اختلالات تدبيرية” عابرة، بل هو تجلٍ صارخ لمنطق ارتجالي يفتقر لأبسط شروط الرؤية الاستراتيجية، من بلدية تزنيت حيث اقتُلعت أشجار عُمِّرت لعقود، وشكّلت ذاكرة حية للأجيال، إلى جماعة تيغمي حيث تحولت قنوات الصرف الصحي إلى مصدر فيضانات وروائح تزكم الأنوف، نحن أمام مشهد واحد كريكاتوري؛ تدبير آني يشتغل بمنطق “رد الفعل” بدل “الفعل المؤسس”.
في بلدية تزنيت، لم يكن الأمر مجرد إزالة “شجيرات” كما حاول بلاغ البلدية التبسيط والتسطيح، بل كان اقتلاعا لذاكرة جماعية ورمز بيئي وثقافي ظل شاهدا على تحولات المدينة، الأشجار ليست ديكورا يمكن تعويضه متى شئنا، بل هي جزء من هوية المكان وتاريخه، حين يتم التعامل معها بهذا الاستخفاف، فنحن لا نفقد ظلالها فقط، بل نفقد جزءا من وعينا البيئي ومن احترامنا لرمزية الفضاء العام.
أما في تيغمي، فالمشهد أكثر فجاجة، قنوات الصرف الصحي التي كان يُفترض أن تكون عنوانا للتأهيل الحضري، تحوّلت إلى عنوان للفوضى وسوء التقدير، فيضانات المياه العادمة في مركز الجماعة ليست حادثا عرضيا، بل نتيجة مباشرة لأشغال افتقرت منذ البداية إلى الجودة، وإلى المراقبة، وإلى الحس بالمسؤولية، وقد سبق التنبيه إلى “بهلوانية” هذه الأشغال، لكن يبدو أن منطق التسرع في الإنجاز كان أقوى من صوت العقل، نهيك عن الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب لأزيد من ثلاثة اسابيع دون توضيح أو تبيان الأسباب من الجهات المعنية، في ضرب صارخ للحق في المعلومة.
المشكلة هنا ليست تقنية فقط، بل بنيوية، حين يغيب التخطيط بعيد المدى، وتُختزل المشاريع في منطق الصفقات والآجال الضيقة، تصبح الكوارث نتيجة حتمية، ما يحدث هو نتيجة لتدبير يركض خلف “إنجازات سريعة” تُسوَّق إعلاميا، دون اعتبار لآثارها البيئية والاجتماعية على المدى المتوسط والبعيد، إنها سياسة ترقيع، لا تبني، ولا تؤسس، بل تؤجل الانفجار فقط.
الأخطر من ذلك هو هذا الاستخفاف بعقول المواطنين، حين يُطلب من الناس أن يصدقوا أن أشجارا معمّرة ليست سوى “شجيرات”، وحين يُراد تمرير فشل واضح على أنه مجرد “ظرف طارئ”، فنحن أمام خطاب يراهن على النسيان وقِصر الذاكرة. لكن الواقع أن هذه الصور – أشجار تُقتلع، ومياه عادمة تغمر الشوارع – أبلغ من كل البلاغات، وأقوى من كل محاولات التجميل.
إن ما نعيشه اليوم هو نتيجة مباشرة للقطيعة مع فكرة “التدبير الاستراتيجي” القائم على التشخيص، والتخطيط، والتتبع، والتقييم، بدون هذه العناصر، تتحول الجماعات إلى فضاءات لتجارب مرتجلة يدفع ثمنها المواطن والبيئة معا، البيئة ليست “خضرة فوق طعام”، والبنية التحتية ليست مجالا للمقامرة.
لسنا أمام “لعنة” بقدر ما نحن أمام نتائج منطقية لاختيارات غير محسوبة، وما لم يتم القطع مع هذا النمط من التدبير، وإرساء ثقافة المسؤولية والمحاسبة، فإن ما نراه اليوم لن يكون سوى بداية لسلسلة أخرى من “الكوارث الصغيرة” التي تتراكم لتصنع أزمة كبرى، لأن المدن والقرى لا تُدمَّر دفعة واحدة، بل تُستنزف تدريجيا تحت غطاء قرارات قصيرة النظر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى