
من الواضح أن إقليمنا العزيز، ومعه عدد من الجماعات الترابية التابعة له، مقبل على سنوات جديدة من التعثر التنموي والسياسي إذا ما استمرت بعض الأحزاب في اعتماد نفس الأساليب التي أفرزت نخباً لم تقدم الشيء الكثير للساكنة خلال السنوات الماضية. فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بدأت تلوح في الأفق تحركات سياسية تثير الكثير من علامات الاستفهام حول المعايير المعتمدة في اختيار المرشحين ومنح التزكيات.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطنون ضخ دماء جديدة في المؤسسات المنتخبة، وإعطاء الفرصة للكفاءات القادرة على الدفاع عن قضايا الإقليم والترافع الجاد عن حاجياته، يبدو أن بعض الأحزاب لا تزال متمسكة بمنطق المصالح الضيقة والحسابات الانتخابية البحتة. وهناك أسماء يجري تداولها بقوة لنيل التزكية البرلمانية رغم أن حصيلتها السابقة، بحسب متتبعي الشأن المحلي، لم تكن في مستوى تطلعات الساكنة، ولم تحقق الإضافة المرجوة سواء على مستوى التشريع أو الترافع عن الملفات التنموية الكبرى.
والأكثر إثارة للانتباه هو أن بعض الهيئات السياسية أصبحت، وفق ما يروج في الأوساط المحلية، تفضل أصحاب النفوذ المالي والقدرة على تمويل الحملات الانتخابية على حساب الكفاءات الحقيقية والأطر التي راكمت تجربة ميدانية وسياسية محترمة؛ وهو ما يكرس شعوراً متنامياً لدى فئات واسعة من المواطنين بأن منطق المال والولاءات الشخصية بات يتغلب على معيار الكفاءة والاستحقاق.
كما يسجل المتابعون للشأن السياسي بالإقليم أن هاجس بعض الأحزاب لم يعد مرتبطاً بخدمة المواطنين أو تقديم مشاريع تنموية واعدة، بل أصبح منصباً أساساً على الحفاظ على المقاعد البرلمانية داخل دائرة محدودة من الأشخاص والأسماء التي تتبادل المواقع والمهام الانتخابية منذ سنوات، وكأن الأمر يتعلق بإرث سياسي خاص لا يجوز أن يخرج عن نطاق مجموعة معينة، في مشهد يختزل السياسة في منطق “المقعد أولاً” بدل “المصلحة العامة أولاً”.
وفي خضم هذه التطورات، تتداول مصادر محلية معطيات تفيد بأن بعض المرشحين المحتملين شرعوا في استقطاب أشخاص من مدن ومناطق بعيدة عن الإقليم لتسجيلهم ضمن اللوائح الانتخابية المحلية؛ وهي خطوة إن ثبتت صحتها، فإنها تطرح تساؤلات جدية حول نزاهة العملية الانتخابية ومدى احترامها لروح القانون الذي يفترض أن يعكس إرادة الساكنة الحقيقية.
وأمام هذه الأخبار المتداولة، يبرز سؤال مشروع: هل ستتحرك المصالح المختصة التابعة لوزارة الداخلية للتحقق من هذه المعطيات والتأكد من مدى قانونيتها قبل فوات الأوان؟ أم أن الأمر سيستمر إلى حين انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية، لتجد الساكنة نفسها مرة أخرى أمام واقع انتخابي يعيد إنتاج نفس الوجوه والممارسات والنتائج؟
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات جديدة، بل في ضمان شروط التنافس الشريف وتكافؤ الفرص، وتمكين الكفاءات الجادة من الوصول إلى مواقع القرار؛ فالإقليم الذي ينتظر حلولاً لمشاكله التنموية والاجتماعية لم يعد يحتمل المزيد من التجارب الفاشلة أو الحسابات الحزبية الضيقة، بل يحتاج إلى ممثلين يضعون مصلحة المواطنين فوق كل اعتبار، ويجعلون من العمل السياسي وسيلة للتنمية لا مجرد طريق نحو المناصب والامتيازات.



