
شهدت قبة مجلس النواب، خلال جلسة الأسئلة الشفوية التي انعقدت أمس، تطوراً لافتاً أعلن خلاله وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن توجه الحكومة لإعداد وتقديم مشاريع قوانين جديدة تستهدف تعزيز مكافحة الفساد والتصدي لمختلف مظاهره. وأوضح الوزير أن هذه النصوص المرتقبة ستتضمن مقتضيات حازمة تهم محاربة تبييض الأموال، وتجريم الإثراء غير المشروع، وتطويق تضارب المصالح، مشدداً على أن هذه المشاريع ستقدم قريباً إلى المؤسسة التشريعية. كما دعا وهبي إلى ضرورة مناقشة هذه المبادرات في أجواء تسودها الهدوء والمسؤولية والابتعاد عن المزايدات السياسية.
وقد لقيت تصريحات وزير العدل تفاعلاً لافتاً وترحيباً واسعاً تحت قبة البرلمان، شمل حتى نواب المعارضة الذين صفّقوا للإعلان الحكومي، وهو ما أدى إلى نقل النقاش من سجال سياسي محتدم كان قد اندلع قبل الإعلان بين الوزير وأحد البرلمانيين المعارضين بشأن طريقة تدبير ملف مكافحة الفساد، إلى مناخ من التوافق والارتياح. واعتبر العديد من النواب أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز الترسانة القانونية الوطنية وتلبية المطالب المسبقة بسن تشريعات أكثر صرامة، حيث أعاد نواب المعارضة التذكير بمشروع قانون الإثراء غير المشروع الذي سبق سحبه في الولاية الحكومية السابقة مؤكدين أن إعادة طرحه تطور يستحق المتابعة، بينما عبر نواب الأغلبية عن دعمهم الكامل لهذا التوجه الذي يترجم الالتزامات السياسية والانتخابية المتعلقة بالنزاهة والحكامة.
ولم تخلُ الجلسة من إثارة ملفات مهنية ذات أبعاد اجتماعية ومالية؛ حيث أثار أحد نواب المعارضة مشكلة تأخر صرف مستحقات المحامين المكلفين بمهام المساعدة القضائية لمدة تمتد من سنتين إلى ثلاث سنوات، داعياً ضمنياً إلى تدخل حكومي عاجل لمعالجة هذه الوضعية وتوفير حلول جذرية للإشكاليات المتراكمة. وفي سياق المتغيرات والتفاعلات السياسية المحيطة بالملف، برز موقف البرلماني الاستقلالي خالد الشناق الذي سبق أن انتقد اقتصاد الريع وتضارب المصالح في تدوينة نشرها بتاريخ 29 شتنبر 2025 رافضاً ما وصفه بـ«التغول النيوليبرالي». وفي تفاعل جديد مع التطورات الأخيرة، عاد الشناق للتطرق إلى الموضوع مجدداً في تدوينة نشرها نهاية الشهر الماضي يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، حيث ربط بين ما طرحه سابقاً والتصريحات الحكومية الأخيرة أمام البرلمان، معتبراً أن المواقف الرسمية تؤكد أن انتقاداته لم تكن مجرد آراء عابرة بل كانت قراءة لاختلالات عميقة أثرت سلباً على القدرة المعيشية للمواطنين خلال السنوات الماضية.
وجدد الشناق مطالبه الضرورية لمعالجة منظومة الفساد عبر مواجهة اقتصاد الريع، والتصدي لتضارب المصالح، ووضع حد للامتيازات غير المشروعة، ومحاربة الإثراء غير المشروع، وإرساء قواعد العدالة الاقتصادية والاجتماعية والوفاء بالالتزامات أمام المواطنين. كما أعلن دعمه للحكومة الحالية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، معتبراً أن دعمه مرتبط ومقترن بالخطوات الجادة والملموسة لتفكيك منظومة الريع وتخليق الحياة العامة بدلاً من تقديم دعم مطلق.
وفي غضون ذلك، شدد البرلماني الاستقلالي على ضرورة عدم الاكتفاء بإطلاق مشاريع قوانين جديدة بل المطالبة بفتح ملفات المرحلة الحكومية السابقة، وترتيب المسؤوليات السياسية والقانونية بشأن الاختلالات التي طبعت فترة تدبير حكومة عزيز أخنوش، مفصلاً على أهمية تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية أو تصفية حسابات سياسية، ومع التأكيد على عدم منح أي طرف حصانة تحول دون المساءلة.



