بين اتهام المواطن وغياب الصيانة.. من المسؤول عن أزمة الحاويات المتهالكة بأيت ملول؟

ليست كل حاوية مقلوبة دليلاً على التخريب، فقد تكون حالتها المتهالكة عنواناً لاختلالات الصيانة والتدبير.

تعيد مشاهد الحاويات المقلوبة وتراكم النفايات بشارع إبراهيم الروداني بمدينة أيت ملول طرح سؤال النظافة من زاوية تتجاوز الصور الظاهرة للعيان، لتصل إلى الأسباب الحقيقية التي أوصلت بعض تجهيزات القطاع إلى هذه الحالة. فخلف مشهد الأزبال المتراكمة، تبرز معطيات ميدانية تستدعي التوقف عند وضعية الحاويات نفسها، التي أصبحت متهالكة، وفقدت عجلاتها، واعوجّت هياكل عدد منها، بما يطرح علامات استفهام حول الصيانة ومدى تتبع المصالح المختصة لحالتها.

إن اختزال هذه الوضعية في احتمال وجود أشخاص يتعمدون قلب الحاويات أو عرقلة عمليات النظافة، دون التحقق من حالتها التقنية، قد يؤدي إلى إغفال جانب أساسي من المشكلة. فالحاوية التي فقدت عجلاتها وأصبحت مشوهة البنية لا يمكن التعاملกับها باعتبارها مجرد تجهيز سليم تعرض لحادث عابر؛ بل إن وضعيتها تستدعي البحث في أسباب تدهورها، ومدى خضوعها للصيانة، وما إذا كانت قد استنفدت عمرها الافتراضي وأصبحت بحاجة إلى الاستبدال.

وفي هذا السياق، يبرز دور المصالح الجماعية المعنية بتدبير قطاع النظافة، ليس فقط في جمع النفايات، بل أيضاً في تتبع صلاحية التجهيزات المستعملة، وصيانتها عند الحاجة، واتخاذ التدابير اللازمة لاستبدال الحاويات التي لم تعد تؤدي وظيفتها بالشكل المطلوب. فانتظام عمليات الجمع، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لضمان خدمة فعالة إذا كانت الوسائل الموضوعة رهن إشارة الساكنة تعاني التهالك وتفتقر إلى الصيانة اللازمة.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بتراكم النفايات بجوار الحاويات، لأن معالجة المشهد لا ينبغي أن تقتصر على إزالة الأزبال بعد تراكمها، بل يتعين أن تشمل تشخيص أسباب الاختلال والحد من تكراره. فهل تتوفر المصالح المعنية على جرد محيّن للحاويات المتهالكة؟ وهل توجد برمجة واضحة لصيانتها وإصلاحها أو استبدالها؟ وما التدابير المتخذة لضمان صلاحية هذه التجهيزات واستمرارها في أداء وظيفتها؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني إعفاء المواطنين من مسؤوليتهم في المحافظة على نظافة الفضاء العام، ولا ينفي احتمال وجود سلوكيات فردية غير مسؤولة، لكنه يقتضي التمييز بين الوقائع المثبتة والفرضيات التي تحتاج إلى أدلة. فوجود حاويات مقلوبة لا يثبت، في حد ذاته، أنها تعرضت للتخريب المتعمد، مثلما أن تراكم النفايات لا يسمح وحده بتحديد المسؤولية دون الاطلاع على ظروف جمعها وحالة التجهيزات المستعملة.

ومن هنا، فإن الحديث عن المسؤولية المشتركة ينبغي ألا يتحول إلى صيغة عامة تُوزع بها المسؤوليات دون تدقيق، بل يجب أن يقود إلى تحديد واجبات كل طرف. فالمواطن مطالب باحترام قواعد التخلص من النفايات، والجهات المكلفة بالتدبير مطالبة بضمان استمرارية الخدمة وصيانة التجهيزات ومراقبة النقاط السوداء، فيما تظل المعاينة الميدانية والتحقق من الأسباب شرطين أساسيين قبل إصدار الأحكام.

إن واقع الحاويات المتهالكة بالشوارع  يضع ملف الصيانة في صلب النقاش حول النظافة بأيت ملول. فبدلاً من الاكتفاء بتفسير المشهد بفرضيات التخريب، تبرز الحاجة إلى توضيح وضعية هذه الحاويات، والكشف عن الإجراءات التي اتخذت بشأنها، وتحديد ما إذا كان غياب الصيانة قد ساهم في تفاقم الوضع.

أيت ملول لا تحتاج إلى البحث عن شماعات لتفسير أزمة النظافة، بقدر ما تحتاج إلى تشخيص واضح للاختلالات ومعالجة أسبابها. فالحاويات التي فقدت عجلاتها واعوجّت هياكلها ليست مجرد تفاصيل هامشية في مشهد الأزبال، بل مؤشر يستوجب التحقق والمساءلة. والرهان الحقيقي ليس في تبادل الاتهامات، وإنما في ضمان تجهيزات صالحة، وصيانة منتظمة، وتدبير يستجيب لانتظارات الساكنة ويحفظ كرامة الفضاء العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى