
لم تعد أزمة النظافة في جماعة ايت ملول مجرد عارض عابر يمكن تبريره بضغط النفايات أو نقص الإمكانيات، بل باتت مشهداً يومياً يثير الكثير من علامات الاستفهام حول طريقة تدبير هذا المرفق الحيوي، وحول الأسباب التي جعلت مدينة تتوفر على حاويات وعتاد مخصص لجمع النفايات تجد نفسها، في نهاية المطاف، غارقة في الأزبال.والأكثر إثارة للاستغراب أن الأمر لا يتعلق بجماعة تفتقر إلى الإمكانيات بشكل كامل، إذ سبق أن تدخل عامل الإقليم أكثر من مرة من أجل الدفع نحو معالجة الوضع، كما تم دعم المدينة بحاويات وتجهيزات ووسائل مخصصة لجمع النفايات، في محاولة واضحة لتطويق الأزمة وتحسين مستوى النظافة.غير أن هذه المجهودات، بحسب ما يظهر على أرض الواقع، لم تمنع عودة الوضع إلى نقطة الصفر.فبعد فترة وجيزة، بدأت مظاهر الإهمال تعود إلى الشوارع والأحياء، وتراكمت النفايات في عدد من النقاط، لتتحول بعض الفضاءات إلى ما يشبه مطارح عشوائية مفتوحة، وسط استياء متزايد من السكان الذين يجدون أنفسهم أمام سؤال بسيط لكنه محرج: إذا كانت الإمكانيات متوفرة، فأين يكمن الخلل؟هل المشكلة في المعدات؟هل المشكلة في الموارد البشرية؟أم أن الأمر يتعلق أساساً بطريقة التدبير والتسيير والمراقبة؟من يعرقل الحل؟المثير في هذه القضية أن التدخلات الإقليمية وتوفير وسائل إضافية لم تؤدِّ إلى حل مستدام للمشكل، وهو ما يفرض فتح نقاش حقيقي حول مسؤولية الجماعة في تدبير هذا المرفق.فالنظافة ليست خدمة ثانوية يمكن تأجيلها إلى حين توفر الظروف المناسبة، وإنما هي من صميم الخدمات الأساسية التي ينتظرها المواطن من جماعته بشكل يومي.وإذا كانت الجماعة قد حصلت على حاويات وعتاد إضافي، فما الذي يمنع من وضع خطة واضحة لجمع النفايات، وتحديد مسارات الشاحنات، وضبط أوقات الجمع، ومراقبة أداء العمال، ومعاقبة مظاهر التقصير، وإشراك المنتخبين والسلطات المحلية في تتبع الوضع؟ومن المستفيد من استمرار الأزمة؟هذا هو السؤال الذي بدأ يطرح نفسه بقوة، خصوصاً إذا كان الحل المطروح في نهاية المطاف هو اللجوء إلى شركة خاصة لتدبير قطاع النظافة.هل يتحول الفشل إلى مبرر للتفويت؟لا أحد يمكنه أن يعارض مبدئياً الاستعانة بالقطاع الخاص إذا كان ذلك سيضمن خدمة أفضل للمواطنين، ويحترم القانون، ويضمن المنافسة والشفافية، ويحقق مصلحة الجماعة.لكن الإشكال يبدأ عندما يُترك مرفق عمومي يتدهور تدريجياً، رغم توفر وسائل وإمكانيات كان من الممكن استثمارها، ثم يتم تقديم التفويت للخواص باعتباره الحل الوحيد الممكن.هنا يصبح من المشروع طرح الأسئلة:هل نحن أمام عجز حقيقي عن التدبير، أم أمام عجز تم السماح له بالتفاقم؟وهل وصلت الأمور إلى مرحلة أصبح معها السكان والمدينة أمام خيار وحيد: القبول بالشركة الخاصة لأن المرفق العمومي تم تركه يتدهور إلى هذا الحد؟والأخطر من ذلك، إذا كانت هناك معطيات أو شبهات حول وجود رغبة في توجيه الصفقة نحو شركة بعينها أو لفائدة جهات مقربة من أصحاب القرار، فإن المكان الطبيعي لهذه التساؤلات هو الوثائق والمساطر القانونية والشفافية في طلبات العروض، وليس الإشاعات أو الاتهامات المجانية.فالصفقة العمومية لا ينبغي أن تكون محل ثقة عمياء، كما لا ينبغي أن تكون مجالاً للشكوك.من سيشارك؟ ما هي شروط المنافسة؟ كم تبلغ قيمة الصفقة؟ ما هي معايير اختيار الشركة؟ ومن سيستفيد منها؟أسئلة مشروعة، والإجابة عنها يجب أن تكون بالوثائق.المدينة ليست ورقة ضغط في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يدفع المواطن ثمن الخلافات أو سوء التدبير أو الحسابات السياسية.فالمدينة ليست ملكاً لرئيس الجماعة ولا للمجلس وحده، والنفايات التي تتراكم أمام المنازل والمحلات التجارية ليست مجرد أرقام في تقارير التدبير، وإنما هي واقع يعيشه المواطن كل يوم، ويمس صحته وبيئته وكرامته وصورة مدينته.وإذا كانت الجماعة عاجزة عن تدبير مرفق النظافة رغم توفرها على وسائل تم توفيرها لها، فإن المطلوب ليس ترك المدينة تغرق أكثر في الأزبال، وإنما تقديم الحساب أمام المواطنين والمؤسسات الرقابية، وتحديد مكامن الخلل، وتحميل المسؤوليات لمن يستحقها.أما تحويل الفشل في التدبير إلى أمر واقع، ثم تقديم التفويت للقطاع الخاص كأنه قدر محتوم، فذلك يستحق بدوره نقاشاً عمومياً شفافاً.فالمدينة تحتاج إلى من ينظف شوارعها، لا إلى من يتركها تغرق في النفايات حتى يصبح أي حل، مهما كانت كلفته، مقبولاً.والسؤال الذي ينتظر سكان المدينة جواباً واضحاً عنه هو:هل فشل تدبير النظافة مجرد سوء حظ وسوء تسيير… أم أن المدينة تُترك عمداً حتى تصل إلى مرحلة لا يبقى فيها أمام الجميع سوى خيار واحد؟



