
ياسين عبد الرحيم / فاعل سياسي
قبل خوض أسباب هذا النقاش المؤلم، لا يسعني إلا أن أقف إجلالاً وتأسفاً على الأرواح الزكية التي فاضت إلى بارئها في عرض البحر، داعياً الله أن يرحم ضحايا هذه الفاجعة وأن يرزق ذويهم الصبر والسلوان. لقد تعمدت التريث وأخذ الوقت الكافي قبل التفاعل مع هذه الأحداث، متأملاً ومنتظراً رد فعلٍ حكومي أو خروجاً مسؤولاً يليق بحجم المأساة، لكن دون جدوى. صمتٌ حكومي مطبق وبلاغات باهتة زادت المشهد قتمة وجرحت الكرامة الوطنية.
إن مشاهد “الهروب الكبير” ونزوح آلاف الشباب سباحة نحو سبتة المحتلة لا تدع مجالاً للسكوت. حين ترى مئات الأجساد الفتية تلقي بنفسها في البحر بلا زاد ولا ماء، تدرك أننا لا نواجه مجرد “حادث هجرة غير نظامية” تمكن محاربته بتبريرات واهية، بل نعيش لحظة انكشاف كلي لبنية سياسية واقتصادية وصلت إلى طريق مسدود.
خيانة الروح الوطنية ودوس تضحيات الرعيل الأول
ليس هذا المغرب الذي بحّت من أجله أصوات رجالات الحركة الوطنية ومناضلي الشرف؛ أولئك الأبطال الذين قدموا الدماء والحرية والأنفس في سباق مع الاستعمار ليورثونا وطناً سيادياً، كراماً فيه أهله، مرفوع الهامة بين الأمم. لقد قاوم الرعيل الأول ليس فقط لطرد المحتل، بل لإرساء لبنات دولة قوية تتسع لجميع أبنائها وتصون كرامتهم.
إن ما نراه اليوم هو نكوص عن تلك الروح الوطنية الجامعة التي استُبدلت بشغف العوائد السريعة والحسابات الضيقة. أين نحن من أفكار وتضحيات رجالات بوزن علال الفاسي، ومحمد بنسعيد أيت إيدر، وعبد الرحيم بوعبيد، وغيرهم ممن بذلوا أعمارهم في سبيل بناء مؤسسات وطنية متينة تخدم المواطن لا أن تهمشه؟
تغول تجار الأزمات وإعدام المناضلين الحقيقيين
ما نراه اليوم في الميدان هو النتيجة الطبيعية لمسار طويل من قتل الحياة السياسية الحقيقية. لقد أفرغت المقرات الحزبية من الأفكار والنقاش الفكري، وتم التخلي الممنهج عن المناضلين الحقيقيين والشرفاء والنخب الفكرية التي تمتلك الرؤية والغيرة على هذا الوطن، وتهميشهم لمجرد أنهم لا يملكون المال أو يرفضون الخضوع لأجندات المصالح الشخصية.
لقد فتحت الأحزاب أبوابها لتجار الأزمات وسماسرة الانتخابات لتسيير الشأن العام؛ حيث تحول المشهد الحزبي إلى رهينة في يد “مول الشكارة”، ذلك الكائن الذي يشتري التزكية الحزبية بماله ليضمن مقعداً برلمانياً جاهزاً، يمنح به الحزب وزناً عددياً للظفر بحقائب وزارية ومواقع نفوذ. في هذا المناخ الهجين
تحولت العملية السياسية من خدمة عمومية ونبيلة إلى استثمار تجاري يبحث فيه التاجر عن مراكمة نفوذه وتغطية مصالحه.
أُبعد الشباب الطموح والكفاءات الوطنية عن دوائر القرار والتأطير.
غاب الحوار السياسي الجاد وانسحبت الحكومة إلى تواصل الصمت، تاركة الفراغ لتبادل الاتهامات وشعارات “تستاهلوا أحسن”.
عقم التكوين وفخ فئة “خارج الشغل والتعليم”
لا تكتمل الصورة دون التوقف عند الاختلال الهيكلي بين التكوين وسوق الشغل. نحن أمام حقيقة مرّة تكشفها الأرقام الرسمية وتقارير بنك المغرب والمجلس الاقتصادي والاجتماعي: هناك أزيد من 4.3 مليون شاب مغربي ينتمون لفئة NEET (لا يدرسون، لا يشتغلون، ولا يتكونون).
الأمر الأكثر إيلاماً أن جزءاً كبيراً من هؤلاء الشباب الذين يرمون أنفسهم في البحر يفتقرون للحد الأدنى من التكوين أو المهارات التي تجعلهم عناصر منتجة داخل وطنهم. لقد تُركوا على هامش المجتمع بلا مؤهلات تضمن لهم العيش الكريم، وفي الوقت نفسه بلا أمل في منظومة تعليمية أو تدريبية تدرك متطلبات سوق العمل اليوم. حين يفتقد الشاب التكوين والإنتاجية، ويرى الأبواب مغلقة أمامه بينما تتباهى النخب المالية وتجار الأزمات بنفوذهم، يصبح خيار “البحر أو لا شيء” هو الصرخة الأخيرة في وجه التهميش.
استغلال خارجي ومأزق دولة المؤسسات
إن الهوان الداخلي لا يمر دون أن يستغله الخارج؛ فالأزمة لم تكن مجرد مأساة إنسانية، بل تحولت في رمشة عين إلى ورقة ضغط وتجاذبات دولية. استغل اليمين الإسباني والأوروبي الصور للهجوم على حكومة مدريد، بينما دخلت أطراف أخرى على الخط لتصفية حسابات سياسية، في ظل ترويج لسرديات “الحرب الهجينة” و”الصواريخ البشرية”.
كل هذه التفاصيل تعكس كيف تصبح كرامة المواطن وأرواح الشباب مكشوفة أمام التجاذبات الجيوسياسية عندما تغيب الرؤية الوطنية الداخلية والتلاحم المجتمعي الأصيل.
إلى أين نتجه؟
إن التحدي اليوم ليس في كبح أمواج البحر أو تحرير البلاغات الرسمية بعد فوات الأوان، بل في استعادة “الحس الوطني” وإعادة الاعتبار للسياسة وكرامة الإنسان:
تطهير الأحزاب ورد الاعتبار للمناضلين: فتح المقرات الحزبية أمام المناضلين الحقيقيين والطاقات الشابة، وتنظيف المشهد السياسي من تغول رأس المال وتجار الأزمات لبناء مغرب قوي ومستقل بقراره وعقوله.
إصلاح التكوين والتشغيل: بناء منظومة تكوين ذات نجاعة استراتيجية تستوعب ملايين الشباب المعطلين وغير المكونين، وتضمن إدماجهم في الدورة الاقتصادية كعناصر منتجة وفخورة بوطنها.
القطع مع المحسوبية الدكاكينية: جعل الكفاءة، والاستحقاق، والغيرة الوطنية المعيار الوحيد لتقلد المسؤوليات وإدارة الشأن العام بدلاً من منطق الشكارة والمصلحة الضيقة.
إن لم نستوعب درس سبتة الأخير، ونعد للوطن وهجه وقيم رجالاته الذين ناضلوا لتأسيسه على قواعد متينة، ولم نتوقف عن تقديم المقاعد البرلمانية والوزارية لمن يملك المال والتجارة بالأزمات بدلاً ممن يملك الرؤية والضمير، فإن البحر سينتج مواسم أخرى من الألم، ولن ينفع حينها البحث عن مبررات واهية.



