40 توقيعاً تحجب الحقيقة: في دلالات “الـبلوكاج” البرلماني لملف استيراد الأغنام

لم يكن عجز مجلس المستشارين عن جمع 40 توقيعاً – وهو النصاب القانوني المتمثل في ثلث الأعضاء – لتشكيل لجنة تقصي حقائق حول ملف دعم استيراد الأغنام والأبقار، مجرد “عثرة مسطرية” أو إجراء برلماني عادٍ يمكن تجاوزه ببيان توضيحي ينضاف إلى أرشيف المؤسسة التشريعية. إن هذا العجز، في عمقه ودلالاته، يرقى إلى مرتبة الأزمة السياسية كاملة الأركان، التي تبعث برسالة سلبية بالغة الخطورة للمواطن المغربي؛ رسالة مفادها أن آليات الرقابة الدستورية قد تُعطَّل عندما تتقاطع الرغبة في كشف الحقيقة مع مصالح لا تريد للوثائق أن تخرج إلى العلن.

المفارقة الصارخة التي فجّرت هذا النقاش تكمن في تضارب الأرقام والمؤشرات، وهو التضارب الذي جعل من التحقيق مطلباً شعبياً ملحاً وليس ترفاً سياسياً. فمن جهة أولى، تؤكد الأرقام الرسمية لوزارة الفلاحة أن حجم الدعم المباشر المخصص لاستيراد الأغنام خلال سنتي 2023 و2024 بلغ حوالي 437 مليون درهم (193 مليون درهم سنة 2023، و244 مليون درهم سنة 2024)، وُجهت لدعم استيراد نحو 875 ألف رأس من الأغنام، بقيمة 500 درهم للرأس الواحد، استفاد منها 156 مستورداً.

لكن في المقابل، يبرز رقم آخر أكثر ضخامة وإثارة للجدل، وهو الذي طرحه الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بنعبد الله، حين تحدث عن كلفة إجمالية تناهز 13.3 مليار درهم، تشمل الإعفاءات الجمركية، والامتيازات المرتبطة بالاستيراد، والإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة
. هذا التباين الشاسع بين الدعم المباشر وحجم الامتيازات الضريبية والجمركية كان يفرض، وبقوة القانون، تفعيل لجنة تقصي الحقائق لتفكيك هذه الأرقام، وتوضيح طبيعة كل درهم صُرف من المال العام، ومدى أثره على أرض الواقع.

إن لجنة تقصي الحقائق، كما نص عليها الدستور، ليست محكمة جنائية ولا مشنقة للإدانة المسبقة، بل هي آلية ديمقراطية لجمع المعلومات، والاطلاع على الوثائق، والاستماع للشهادات، وتقديم تقرير شفاف للرأي العام. وبالتالي، فإن رفض التوقيع على تشكيلها هو الذي يغذي الشكوك ويمنح مشروعية لـ “البروباغندا” الشعبية.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري الذي يؤرق الأسر المغربية: أين أثر هذه المليارات؟
رغم كل برامج الدعم الرسمية، ورغم الحديث المتكرر عن “الوفرة”، عاش المواطن المغربي على وقع قفزات غير مسبوقة في أسعار الأضاحي واللحوم الحمراء، وظلت قفة المستهلك النهائي تكتوي بنيران الغلاء. هذا التناقض الصارخ بين الميزانيات المرصودة والواقع المعيش، هو الذي أفرز مصطلحات مشحونة بالغضب الشعبي مثل “الفراقشية”؛ وهو مصطلح وإن كان لا يحمل قيمة قانونية أو قضائية، إلا أنه يعبر بوضوح عن إحساس شعبي عام بالغبْن، وشعور بأن هناك فئة قليلة من المستوردين والوسطاء حققت أرباحاً خيالية على حساب جيوب المواطنين وصندوق الدولة.

إن فشل ممثلي الأمة في توفير 40 توقيعاً يكشف عن أزمة تمثيلية حقيقية، تضعنا أمام سؤال محوري: هل يمثل المستشار البرلماني المواطن الذي يعاني من الغلاء، أم يمثل مصالح ولوبيات أخرى تخشى الشفافية؟ إن الصمت الرسمي وغياب مبررات واضحة من طرف النواب الذين امتنعوا عن التوقيع يعزز فرضية أن التعطيل كان موقفاً سياسياً مقصوداً وليس مجرد إهمال تقني.

إن الفشل في تشكيل لجنة تقصي الحقائق لا يثبت وجود فساد، لكنه بالتأكيد لا ينفيه. لقد كانت اللجنة الوسيلة الدستورية المثلى لحسم الجدل وتبرئة البرآء، ومادام قد تم وأدها في مهدها، فإن الشكوك ستبقى قائمة، وثقة المواطن في المؤسسات ستستمر في التآكل. والكرة اليوم باتت في مرمى الناخب المغربي، المطالب في المحطات السياسية المقبلة بمعاقبة ومساءلة كل من رفض التوقيع على كشف الحقيقة، فمن يرفض الرقابة على المال العام لا يستحق شرف تمثيل الشعب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى