
أخيراً، وتحت الضغط الخانق لأسئلة البرلمان وبفعل الغليان الشعبي الذي يغلي في البيوت المغربية بسبب الارتفاع الفاحش والمهول لأسعار أضاحي العيد، اضطرت الحكومة إلى الخروج من قوقعة الصمت عبر بلاغ رسمي صادر اليوم 18 ماي 2026. هذا التحرك الحكومي لم يكن خطوة استباقية مبنية على رؤية واضحة، بل جاء كـ”رد فعل” مباشر واضطراري فور انتهاء جلسة الأسئلة الشفهية العاصفة بالبرلمان اليوم، والتي شهدت هجوماً شرساً وجلدًا حقيقياً للتوجه الحكومي قاده البرلماني خالد الشناق، الذي وضع الحكومة أمام مرآة عجزها وفضح زيف مبرراتها أمام غلاء الأضاحي الذي يهدد جيوب ومستقبل الأسر المغربية.
إن البلاغ الذي يتحدث عن تنظيم الأسواق ومحاربة المضاربة يبقى مجرد حبر على ورق و”مسكنات سياسية” لا تسمن ولا تغني من جوع، خصوصاً وأنه يأتي في “الوقت الميت” وفي الرمق الأخير، حيث لم يعد يفصلنا عن عيد الأضحى سوى أسبوع واحد فقط! أي تدبير هذا الذي يُترك حتى يقع الفأس في الرأس؟ وأي استهتار بالوقت ذاك الذي يجعل القرارات التنظيمية تصدر بعد أن امتلأت الأسواق بـ”الشناقة” والمضاربين الذين عاثوا في الأسعار فساداً لأسابيع دون حسيب أو رقيب؟
إن المواطن المغربي، الذي يكتوي ليل نهار بنيران الغلاء المتواصل وتآكل قدرته الشرائية، شبع من وعود المكاتب المكيفة وسياسة البلاغات الاستهلاكية، وهو اليوم لا ينتظر نصوصاً قانونية تُتلى عليه، بل يطالب بأثر حقيقي وملموس يخفض الأسعار في “الرحبة” فوراً وبشكل مستعجل. لذلك، فإن المحك الحقيقي اليوم ليس هو إصدار القرارات، بل هو مدى شجاعة وجدية السلطات العمومية في النزول الفوري والبدني إلى أرض الواقع، وملاحقة حيتان المضاربة، وإعمال آليات الزجر والعقاب بلا هوادة أو انتقائية.
لقد دقت ساعة الحقيقة، ولم يعد هناك أي مجال للاختباء وراء التبريرات الواهية. على السلطات المحلية، من ولاة وعمال وأجهزة الرقابة، أن تتحرك فوراً وتفرض هيبة الدولة في الأسواق لقطع دابر السماسرة ومصاصي دماء الطبقات البسيطة والمتوسطة. إن الامتحان اليوم هو امتحان ميداني بامتياز، وإما أن تترجم الحكومة وعودها بصرامة حديدية لحماية ما تبقى من كرامة المواطن، وإما أن تعلن رسمياً رفع يدها وترك المغاربة رهائن لـ”جشع” لا يرحم.



