
أثار التقرير الأخير الصادر عن المجلس الجهوي للحسابات لجهة سوس ماسة موجة من ردود الفعل الغاضبة داخل الأوساط المحلية بمدينة آيت ملول، بعد كشفه عن اختلالات تدبيرية خطيرة في مجال التعمير، وُصفت بـ”السطو الممنهج” على عقارات ومرافق عمومية كانت مخصصة لخدمة الساكنة، وتحويلها إلى تجمعات سكنية وعمارات استثمارية ضداً على القوانين وتصاميم التهيئة المعمول بها. وتأتي هذه التحقيقات القضائية لتؤكد صحة التقارير الإعلامية السابقة التي نشرتها جريدة “الأخبار”، ممتطةً صهوة ملفات شائكة تضع المجلس الجماعي الحالي في مسألة مباشرة أمام الرأي العام والأجهزة الرقابية.
وقد كشف تقرير قضاة المجلس الجهوي للحسابات عن تماطل غير مبرر في مسطرة منح رخص البناء والتعمير؛ وبناءً على عينة شملت 21 طلباً للحصول على رخص مشاريع استثمارية وتجزئات، رصد المجلس ارتفاعاً كبيراً في المدة الزمنية لمعالجة الملفات، وحسب الأرقام الصادرة، فإن متوسط المدة اللازمة لدراسة الطلبات من طرف اللجنة المختصة بلغ حوالي 15 يوماً، بينما استغرق استصدار القرار الرئيسي من رئيس الجماعة متوسطاً يصل إلى 167 يوماً، بل إن بعض الملفات الاستثمارية واجهت تعثراً قياسياً وصل إلى 1350 يوماً، واعتبر التقرير هذا البطء بمثابة عبء مالي واستثماري يضر بجاذبية المنطقة وينعكس سلباً على تصنيف مناخ الأعمال وضياع فرص التنمية الاقتصادية.
وفي تفاصيل أكثر دقة أوردها تقرير مجلس الحسابات، جرى تسليط الضوء على الخروقات التي طالت الشطر الثاني من تجزئة “المغرب العربي”، هذه التجزئة التي انطلقت منذ عام 1990 من طرف شركة “العمران”، وشهدت مؤخراً تحولات تثير الكثير من علامات الاستفهام، حيث قامت شركة “العمران” في سنة 2019 بتفويت العقار الخاص بالشطر الثاني لشركة (ب.ف)، بمبلغ إجمالي ناهز 8.244.000 درهم، أي ما يعادل 291.70 درهم للمتر المربع، وهو ثمن اعتبره التقرير منخفضاً بشكل ملحوظ ولا يتماشى مع الأسعار السائدة في المنطقة التي تتراوح عادة ما بين 3000 و5000 درهم للمتر المربع. والخطير في الأمر، هو أن هذا العقار الممتد على مساحة 28.262 متراً مربعاً، والذي كان مخصصاً في الأصل لتشييد وتوطين المرافق التجهيزية والعمومية والجراد البيئية لفائدة الساكنة، تم تعديل تخصيصه في سنة 2022 ليتحول بقدرة قادر إلى مشروع سكني ضخم يضم عمارات من أربعة طوابق، بتوافق وتزكية من اللجنة الإقليمية والجهات المكلفة بالتعمير، مما أسقط فرضية حماية الوعاء العقاري العام.
كما أشار القضاة بوضوح إلى غياب مبدأ “تكافؤ الفرص” في معالجة ملفات التجزئات السكنية، فبينما يتم إلزام بعض المنعشين العقاريين بتخصيص أجزاء واسعة من مشاريعهم للمرافق العمومية مثل المساجد والمدارس والمساحات الخضراء، يتم التغاضي عن مستثمرين آخرين عبر اللجوء إلى “الاستثناءات” التي أصبحت أصلاً وليس استثناءً، ورغم أن اللجنة الإقليمية حاولت تبرير هذا التحول بكون المشروع المذكور سيضم منشآت ومرافق مدمجة، إلا أن الواقع والتقارير الميدانية أثبتت التخلي المجاني عن وعاء عقاري كان من المفترض أن يستوعب ساحة عمومية ومرافق إدارية واجتماعية ملحة لساكنة آيت ملول، مما اعتبره المتتبعون للشأن المحلي تزكية لسياسة الريع العقاري على حساب المصلحة العامة، ليضع هذا التقرير مصداقية الشعارات المرفوعة حول الحكامة الترابية وربط المسؤولية بالمحاسبة باقليم إنزكان آيت ملول على المحك، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من إجراءات قانونية أو تصحيحية لإعادة الأمور إلى نصابها.
تفاصيل أكتر بجريدة الأخبار ليوم غد التلاتاء 19 ماي 2026
العدد 4083



