
يشهد تدبير الشأن المحلي بإقليم إنزكان آيت ملول نقاشاً غير مسبوق، اتسعت دائرته مؤخراً ليشمل مختلف الأوساط السياسية والمدنية، في سياق يتسم بارتفاع سقف الانتظارات واقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وبين جماعتي إنزكان وآيت ملول، تتقاطع مؤشرات الحركية الميدانية مع تصاعد الانتقادات، في سابقة يصفها متتبعون بأنها الأولى من نوعها من حيث الحجم والحدة على مستوى الإقليم.
ففي جماعة إنزكان، يبرز حضور دينامية واضحة على مستوى إطلاق عدد من الأوراش المرتبطة بالتهيئة الحضرية وتنظيم المرافق العمومية، إلى جانب اعتماد مقاربة تشاركية عبر لقاءات متكررة مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين؛ غير أن هذه الحركية لم تحجب موجة الانتقادات المتنامية التي تركز أساساً على محدودية الأثر الميداني لعدد من المشاريع، واستمرار اختلالات مرتبطة بقطاع النظافة وتنظيم الفضاءات التجارية وجودة الخدمات الأساسية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة التدبير المحلي وقدرته على الاستجابة الفعلية لتطلعات الساكنة بعيداً عن الوعود المعلنة.
أما في جماعة آيت ملول، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً، حيث لا تقتصر الانتقادات على الأداء الميداني فحسب، بل تمتد لتطال مستوى الانسجام داخل مكونات المجلس نفسه، ورغم تسجيل بعض المبادرات في مجالات التهيئة وتحسين البنية التحتية، إلا أن واقع عدد من الأحياء — خاصة على مستوى الطرقات المتدهورة وانتشار الحفر — يعكس فجوة واضحة بين التخطيط والتنفيذ، كما تظل ملفات النظافة والتعمير واحتلال الملك العام محور شكاوى متكررة، ما يعزز الانطباع بوجود صعوبات في تحقيق النجاعة المطلوبة.
لكن ما يثير الانتباه بشكل أكبر في تجربة آيت ملول هو انتقال الصراع السياسي من داخل المؤسسات إلى الفضاء الرقمي، حيث يُسجل لجوء بعض الفاعلين إلى توظيف منصات إعلامية وجمعويين في معارك تستهدف الخصوم السياسيين، وهو معطى يعكس تحولاً في أساليب التدافع السياسي مع اقتراب الانتخابات، حيث برزت حملات رقمية تقودها حسابات ونشطاء يُتهم بعضهم بنشر معطيات مغلوطة تحت غطاء “المصلحة العامة” بينما تخدم في العمق أجندات ضيقة.
وفي هذا السياق، تبرز حالات تعكس تحولات في المواقف داخل بعض المكونات السياسية، حيث انتقل منتخبون من موقع الانتقاد الداخلي إلى تبني خطاب هجومي تجاه خصومهم، في ارتباط وثيق بحسابات إعادة التموضع السياسي أو السعي نحو مواقع متقدمة، وهو ما يطرح إشكالية أخلاقيات الممارسة السياسية وحدود التنافس المشروع عندما يتحول النقاش من نقد البرامج والسياسات إلى تبادل الاتهامات وصناعة الأخبار الزائفة.
وفي المحصلة، يكشف واقع التسيير بالجماعتين عن مفارقة واضحة بين إرادة الإصلاح المعلنة والتحديات المرتبطة بالتنزيل، في مقابل تصاعد غير مسبوق للتوترات السياسية، ليبقى الرهان الأساسي هو استعادة الثقة عبر تحقيق نتائج ملموسة وترسيخ ممارسة سياسية مسؤولة قوامها التنافس النزيه وربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيداً عن منطق التوظيف الظرفي أو الحملات الموجهة التي تضعف ثقة المواطن في العمل الجماعي المحلي.



