بين جرأة النقد ومنطق “المسؤولية الجماعية”: هل يُحجب صوت الإصلاح من داخل الأغلبية؟

أثارت التدوينة التي نشرها النائب البرلماني عن حزب الاستقلال، خالد الشناق، بخصوص الحصيلة المرحلية للحكومة، نقاشاً سياسياً لافتاً؛ وذلك بعدما وصفها بـ “المنقوصة”، مشيراً إلى غياب إصلاحات جوهرية، وفي مقدمتها تأخر إخراج قانون تضارب المصالح، الذي يعد أحد الأعمدة الأساسية في منظومة النزاهة والحكامة.

هذا الموقف لم يمر دون ردود فعل، حيث اعتبر عضو جماعة أيت ملول المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، عصام لميني، أن هذا الخطاب “مثير للاستغراب” لصدوره عن برلماني ينتمي إلى صلب الأغلبية، متسائلاً عن موقعه من مبدأ “المسؤولية الجماعية”، ومتهماً إياه بممارسة “معارضة انتقائية من داخل الحكومة”.

غير أن هذا التعقيب، في جوهره، يطرح إشكالاً أعمق يتعلق بطبيعة العمل السياسي داخل التحالف الحكومي: فهل يعني الانتماء للأغلبية “التماهي المطلق” وتبرير الاختلالات؟ أم يفرض، على العكس، التحلي بالجرأة في قول الحقيقة وتصحيح المسار من الداخل؟

من الناحية السياسية والدستورية، لا يُختزل دور البرلماني في “آلية للتصويت” فحسب، بل يمتد إلى المراقبة والتقييم والنقد، حتى وإن كان ضمن مكونات الأغلبية. فالديمقراطيات الحية تقوم على التوازن بين الدعم والمساءلة، وليس على منطق الاصطفاف الأعمى الذي يلغي حاسة النقد.

إن مطالبة نائب برلماني بتفعيل قانون تضارب المصالح، والتشديد على ضرورة محاربة الفساد، لا يمكن تصنيفها في خانة “المزايدة السياسية”، بل هي في صميم الأدوار الرقابية والتشريعية التي يُفترض أن تضطلع بها المؤسسة البرلمانية. بل إن الصمت عن قضايا بهذه الحساسية هو ما يجب أن يثير التساؤل، لا الجهر بها.

أما مفهوم “المسؤولية الجماعية”، فلا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتكميم الأفواه أو ذريعة لتبرير التباطؤ في تنزيل الإصلاحات الهيكلية. فالأولى بهذا المفهوم أن يُترجم إلى التزام جماعي بالوفاء بالوعود الحكومية، وعلى رأسها تعزيز النزاهة والشفافية، وتسريع إخراج القوانين المؤطرة للحياة العامة إلى حيز التنفيذ.

إن الدفاع عن الحصيلة الحكومية لا يكون بمحاصرة الأصوات الناقدة، بل بتسريع وتيرة الإنجاز، وتصحيح الاختلالات، والإنصات إلى النقد المسؤول، سواء صدر من خنادق المعارضة أو من داخل بيت الأغلبية نفسه.

يظل السؤال الجوهري الذي يجب أن يجيب عليه العضو الجماعي عصام لميني هو: هل نريد أغلبية “رقمية” تبرر كل شيء وتكتفي بالعدد، أم أغلبية “سياسية” حية تمارس النقد الذاتي وتسهم في تجويد الأداء الحكومي؟ الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد، في نهاية المطاف، مدى مصداقية العمل السياسي ومنسوب ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى