
مع حلول شهر رمضان، تدخل قناة تمازيغت الموسم الدرامي لسنة 2026 بثقة أوضح ونَفَسٍ تحريري أكثر نضجاً. لا يتعلق الأمر فقط ببرمجة موسمية عابرة، بل بخط تحريري يتشكل تدريجياً منذ عامين ضمن خطة إصلاح معلنة، تسعى إلى إعادة تعريف صورة الدراما الأمازيغية وموقعها داخل المشهد السمعي البصري الوطني.
أبرز ما يميز شبكة هذا العام هو محاولة واعية للقطع مع الصورة الاختزالية التي حصرت الأمازيغية طويلاً في فضاء “الدوار” واللباس التقليدي والاحتفالات الفولكلورية. الدراما الجديدة تنطلق من الإنسان، من قلقه الوجودي وتوتراته الاجتماعية، وتتعامل مع اليومي باعتباره مادة فنية قابلة للتكثيف والمعالجة، لا مجرد خلفية ديكورية.
ثلاثة أعمال درامية تتصدر الواجهة، لكل منها زاوية نظر مختلفة، لكنها تتقاطع عند سؤال السلطة والكرامة والتحولات المجتمعية.
يعرض مسلسل “كريمة د إيستيس” (كريمة وبناتها) يومياً خلال فترة الإفطار ابتداءً من السادسة والنصف مساء. العمل يغوص في عالم المال والصفقات المشبوهة وصراعات الإرث، من خلال شخصية كريمة التي تجد نفسها، بعد وفاة زوجها عمر رجل الأعمال النافذ، في مواجهة شبكة معقدة من الديون والتحالفات الهشة.
المسلسل لا يكتفي بتصوير صراع على الثروة، بل يشتغل على ثنائية القوة والهشاشة داخل الأسرة، حيث تتقاطع المعارك الاقتصادية مع اختبارات الحب والولاء والخيانة. الرسالة واضحة: الانتصار ممكن، لكنه مكلف إنسانياً.
في السابعة والنصف مساءً، يطرح مسلسل “ماخ أ وينو” (علاش أ حبيبي) سؤالاً أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما يصبح النجاح المهني وسيلة للهيمنة داخل العلاقة الزوجية؟
قصة صباح، سيدة الأعمال، وزوجها ربيع الذي يفقد ذاكرته ليبدأ حياة جديدة في فضاء قروي بسيط، تفتح نقاشاً أخلاقياً حول حدود الحب والكرامة. العمل يبتعد عن الميلودراما السطحية، ويتجه نحو تفكيك اختلال موازين القوة داخل الأسرة، حيث يتحول الحب أحياناً إلى امتلاك، والنجاح إلى سلاح رمزي.
أما الجزء الثاني من “أفادار” (الصبار)، المعروض يومياً في العاشرة إلا ربع، فيواصل رصد التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع القروي. من خلال شخصية شابة متعلمة تصطدم بهشاشة الواقع الاقتصادي والاجتماعي، يعكس المسلسل صراع الأجيال بين إرث محافظ ورياح عصرية جارفة.
العمل يراهن على إبراز القرية كمجال ديناميكي، لا كفضاء ساكن، ويمنح للشباب دوراً مركزياً في إعادة تشكيل المستقبل.
إلى جانب المسلسلات، تقدم القناة فيلمين تلفزيين بارزين:
“تيدّوكّلا تيقديمين” (صداقات قديمة) الذي يعالج معنى الوفاء في زمن المصالح المتغيرة.
“تاسغارت” (نصيب) الذي يتأمل في مفهوم القدر، مؤكداً أن المصير يُصنع بالقرار والصبر لا بالانتظار السلبي.
كلا العملين يركز على البعد الإنساني، مبتعداً عن الطرح المباشر أو الوعظي.
الرهان لا يقف عند الدراما. الوثائقي يحتل مساحة وازنة في الشبكة الرمضانية. من خلال سلسلة “إيدّر أر يتّمُودّو” (عايش جوّال)، تُستكشف حواضر الجنوب المغربي وسواحله وجباله، في قراءة بصرية ترصد تحولات المجال وأنماط العيش.
سلسلة “جوهر” تواصل تسليط الضوء على المرأة الأمازيغية باعتبارها حارسة للذاكرة وفاعلاً تنموياً، بينما يعود الموسم الثاني من “تيكوسيوين دّرنين” (موروث حي) ليقارب التراث الأمازيغي من زوايا متعددة: التدبير الجماعي، التصوف، التعليم العتيق، الفنون والتطبيب التقليدي.
هذا الحضور الوثائقي يعكس وعياً بأن الهوية لا تُبنى بالدراما وحدها، بل أيضاً باستعادة الذاكرة الجماعية وتوثيقها.
ضمن توجه أكثر خدماتية، تراهن القناة على كبسولات توعوية مثل “تامغاست ن وُوزوم” لترشيد السلوك الاستهلاكي خلال رمضان، و*“تيمرت ن تزوري” (لحظة فنية)* التي تضيء تجارب فنية من مختلف جهات المملكة.
كما تحضر البرامج الدينية بقوة، إلى جانب بث الدروس الحسنية الرمضانية، بما يعزز البعد الروحي للشهر الفضيل في إطار خطاب معتدل ومتوازن.
ما يلفت الانتباه هذا الموسم هو التحول في الرؤية أكثر من التحول في الشكل. صحيح أن محدودية الميزانيات تظل عاملاً مؤثراً، لكن الأداء التمثيلي وتحسن الإخراج يعكسان إرادة مهنية واضحة لتعويض الفارق بالإبداع.
الدراما المعروضة، بمكوناتها اللسنية الثلاث (تمازيغت، تاريفيت، تشلحيت)، تعبر عن احترام متزايد لذكاء المشاهد، سواء الناطق بالأمازيغية أو غيره، خاصة مع اعتماد الترجمة العربية المكتوبة في مختلف الأعمال.
القناة لا تسعى فقط إلى المشاركة في سباق رمضان، بل إلى تثبيت موقعها كفاعل حقيقي في الصناعة الدرامية الوطنية. وإذا استمرت هذه الدينامية، فقد يصبح الحديث مستقبلاً عن مساهمة أمازيغية أصيلة في إثراء المشهد السمعي البصري المغربي، لا عن استثناء ظرفي.
في النهاية، يبدو أن قناة تمازيغت تراهن هذا العام على معادلة دقيقة: المتعة دون تفريط في العمق، والهوية دون انغلاق، والذاكرة دون نوستالجيا مفرطة. وهو رهان، إن كُتب له الاستمرار، قد يمنح الدراما الأمازيغية موقعها الطبيعي داخل صناعة المعنى والصورة في المغرب.
حسن إكيدر



