
في حكم قضائي تاريخي قطع الطريق أمام “المقامرة” بالمواقف السياسية، أصدرت محكمة الاستئناف الإدارية بأكادير قراراً انتهائياً يقضي بتجريد كل من عادل المرابط وأمينة منيب من عضويتهما بمجلس جماعة أيت ملول. هذا الحكم لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان إدانة صريحة لسلوك سياسي افتقد للانضباط، وكرس حقيقة أن المقعد الانتخابي ليس ملكية خاصة تُسخّر للمزايدات الشخصية.
لم يكن طرد المعنيين بالأمر من حلبة التدبير الجماعي وليد الصدفة، بل جاء نتيجة خيانة تنظيمية موصوفة لقرارات حزب الاستقلال. ففي الوقت الذي كان فيه الحزب يرسم معالم تحالفاته داخل مجموعة الجماعات “التضامن السوسية”، اختار المرابط ومنيب التغريد خارج السرب، مفضلين مصالحهما الضيقة أو حسابات مجهولة على حساب الخط الحزبي الذي أوصلهما إلى الكرسي. هذا “التمرد” لم يكن حرية رأي، بل كان ضربة غادرة في ظهر المؤسسة الحزبية التي منحتهما التزكية.
لم يقف استهتار العضوين عند محطة “التضامن السوسية”، بل تجاوزه إلى تحدٍ سافر لقرار الحزب بالتموقع في صفوف المعارضة. فبينما كان الحزب يمارس حقه الدستوري في نقد الأداء الجماعي، هرول المعنيان للتصويت لصالح ميزانية المجلس في دورة أكتوبر، في مشهد يجسد أقصى درجات “الانتهازية السياسية”. هذا السلوك الشاذ كشف أن المعنيين لم يعودا يمثلان إلا نفسيهما، بعدما ضربا بعرض الحائط “ميثاق الشرف” والتعاقد السياسي مع الناخبين.
لقد أثبت القضاء الإداري اليوم أنه الحارس الأمين لكرامة العمل السياسي. فبسرعة ونجاعة، حسمت المحكمة الملف لتؤكد أن “الترحال السياسي المقنع” واللعب على حبلين هو مقامرة خاسرة تنتهي بالطرد المهين من المؤسسات المنتخبة. إن هذا الحكم يبعث رسالة واضحة: لا مكان للمتمردين والعابثين بالانتماء الحزبي داخل المجالس.
لقد لقي هذا الحكم ترحيباً شعبياً واسعاً في أيت ملول، حيث اعتُبر عملية “تطهير سياسي” ضرورية لإعادة الهيبة للمجلس. فبدون انضباط، تتحول المجالس إلى “سوق عكاظ” للمقايضات الشخصية. إفعزل المرابط ومنيب هو انتصار لمصلحة الساكنة التي سئمت من الصراعات الناتجة عن تذبذب الولاءات، وهو إعادة اعتبار للعمل الحزبي الرصين الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة والأخلاق.
بانتصار القضاء لحزب الاستقلال في هذه النازلة، فإنه ينتصر لروح الدستور المغربي ويؤكد أن الأحزاب هي مؤسسات لها حرمتها وقراراتها الملزمة. إن هذا الحكم يؤسس لمرحلة لا يُحترم فيها إلا من يحترم كلمته وانتماءه، أما من اختار مسار “التمرد” و”الخروج عن الصف”، فإن القانون كفيل بإنهاء مساره السياسي بقرار قضائي لا رجعة فيه.



