“زحام وسكات” يضيء ليالي القليعة بمسرح يروي حكايات العزلة

أشرف كانسي

استمتع عشاق أب الفنون ضمن برنامج ”الحل كاين في المسرح” ليلة الأحد 23 مارس 2025 على امتداد حوالي 40 دقيقة، بعرض خاص بالساحة العمومية أمام المركب الثقافي بتراب جماعة القليعة بعنوان ” زحام وسكات” لفرقة جمعية AGOUN المختصة في مجال الثقافة والمسرح .

ونجح الممثل الشاب ومخرج العرض المسرحي الفنان خالد العاقل في تقديم عرض مسرحي جميل راق زوار وفعاليات جمعوية اعتادت الحضور بشكل يومي في إطار برنامج رمضانيات القليعة المسطر من طرف جماعة القليعة مع جمعيات المجتمع المدني، والذين حجوا بكثافة لتتبع العرض الذي يطرح عدة أسئلة من قبيل كيف يمكن أن نكون محاطين بالناس ونشعر بالوحدة؟ كيف نبحث عن التواصل بينما نخشى أن نكون مكشوفين؟ وما الذي يجعلنا نرتدي أقنعة الضحك بينما أرواحنا تئن في الداخل؟

ويعالج عرض ” زحام وسكات” باعتباره ليست مجرد مسرحية عن مدينة تضج بالحركة والصخب، بل هي مرآة تعكس تناقضات الحالة الإنسانية في أدق تفاصيلها. إنها عن ذلك الخط الرفيع الذي يفصل بين الامتلاء والفراغ، بين الضجيج المسموع والصمت المدوي في الداخل. هنا، حيث يلتقي الناس يوميًا في الشوارع، في المحطات، في الأزقة الضيقة والمقاهي المزدحمة، يتجاورون دون أن يلتقوا حقًا، كأن كل واحد منهم مجرد ظل يتحرك بين الآخرين دون أن يترك أثرًا.

كما تسلط المسرحية الضوء على المدينة التي لا تنام، يبدو الزحام وكأنه يغمر الجميع، لكنه في الحقيقة يبتلعهم في عزلتهم الخاصة. وسط الحشود المتدفقة، كل شخص غارق في عالمه الداخلي، في متاهة من الأفكار والهواجس التي تطارده أينما ذهب. أصوات السيارات، وقع الخطوات المتسارعة، ضحكات المارة، كلها تبدو كأنها تملأ المكان، لكنها لا تستطيع أن تغطي ذلك الصمت الثقيل الذي يسكن النفوس. إنه الصمت الذي لا يُسمع، لكنه يُشعر، يضغط على الصدور، ويجعل الكلمات تتكسر قبل أن تجد طريقها إلى النطق. هنا، لا يكمن الخوف في الوحدة، بل في الاعتراف بها، في مواجهة ذلك الثقل الذي نحمله في أرواحنا، ولا نملك الجرأة لوضعه في كلمات.

ويحاول عرض ”زحام وسكات ”  أن يلامس شيئًا في داخل كل منا، ذلك الشعور الغامض بالعزلة وسط الزحام، والرغبة غير المعترف بها في أن يسمعنا أحد قبل أن نختفي بين الحشود، وفي ذات الوقت يريد هذا العرض أن يقرب المتفرجين من شخصيات مسرحية كراقصين في إيقاع غير مرئي، محكومين بلحن لا يسمعه أحد سواهم. كل واحد منهم يبحث عن لحظة صدق وسط فوضى التفاصيل اليومية، عن استراحة قصيرة من ثقل الصمت الذي يلازمه كظل لا يفارقه. لكن هذه المدينة لا تمنح هدنة، فهي تمضي بسرعة لا تترك مجالًا للتوقف، وكأن الصمت نفسه قد أصبح رفاهية لا تُتاح إلا لمن يجرؤ على المواجهة.

مخرج المسرحية ”خالد العاقل” يؤكد في تصريحه أن “شخصيات العرض رغم أن حياتهم تبدو مليئة بالضحك والمواقف الساخرة، إلا أن تلك القهقهات ليست سوى صدى لأقنعة مُحكمة، تُخفي وراءها قلقًا داخليًا يتسلل كالوهم، لا يُرى لكنه يُشعر. إنهم يسيرون جنبًا إلى جنب، يتبادلون الأحاديث العابرة، يضحكون على النكات التي لا تعنيهم، ويملؤون الفضاء بكلمات لا تترك أثرًا. ومع ذلك، فكل واحد منهم يعيش في عزلة لا تُرى، محاطًا بجدران غير مرئية، لكنها أشد صلابة من الإسمنت، تفصلهم عن بعضهم البعض رغم الزحام. هم جزء من المشهد، لكنهم ليسوا حقًا فيه، كأنهم أشباح في مدن مأهولة، غرباء رغم كل هذا القرب”

ويضيف ”العاقل”” مع تقدم الأحداث، تتشابك حكاياتهم بطريقة غير متوقعة. لقاءات عابرة تحمل معها تساؤلات أعمق مما تبدو عليه، ونظرات تائهة تفضح مشاعر لم تُنطق أبدًا.

تدور المسرحية حول لحظات من المكاشفة، حيث يجد كل فرد نفسه مضطرًا لمواجهة صراعه الداخلي، ذلك الصراع الذي ظل يؤجله تحت وطأة الحياة السريعة والإيقاع المتلاحق للمدينة. هنا، يصبح الصمت أكثر صخبًا من أي ضوضاء، وتتحول الكلمات غير المنطوقة إلى صدى يصعب إسكاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى