“في الهرهورة: عندما يتحول القانون إلى لعبة بيد “النافذين”

في مشهد سيريالي لا يمكن أن تتوقعه حتى في أفلام الخيال، ظهر في الهرهورة بعض الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم فوق القانون والنظام العام. هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم “النافذون”، لم يكتفوا بإغلاق شارع واحد أمام العامة بالقرب من شاطئ الأميرات، بل قرروا إقامة متاريس في كل زقاق يقطنون فيه، وكأنهم يعيدوننا إلى العصور الوسطى، حيث كان الإقطاعيون يشيدون قلاعًا ويضعون حراسًا عند بواباتها لمنع “الفلاحين” من الاقتراب.

بلغ الاستبداد أقصى مداه عندما استقدم هؤلاء “المتجبرون” شركة بناء خاصة لإنشاء رصيف طوله عشرون مترًا على طريق رسمية، مستخدمين الأسمنت والحديد، وذلك بهدف منع دخول أي سيارة إلى منطقة سكنهم الموقرة. إنه تعبير صارخ عن التمييز العنصري والازدراء.

نعم، نتحدث عن طريق رسمية أنشئت بقرار ملكي وتحت إشراف والي الرباط وسلا، وكأن هؤلاء يقولون بصوت عالٍ: “إن كان لديك قرار ملكي، فلدينا قراراتنا الخاصة.” يبدو أنهم يعتقدون أن شوارع البلاد ملكية خاصة لهم، حيث يمكنهم إقامة أرصفة هنا أو بوابات هناك، تمامًا كما يحتلون الشوارع بسياراتهم الفارهة، في ظل تردد المواطن العادي في الاقتراب.

لم يكتفِ هؤلاء بإقامة المتاريس والرصيف الخاص، بل قرروا جلب حراس وكأننا في زمن آخر. هل نحن أمام تأسيس قبيلة مستقلة في الهرهورة؟ هؤلاء الحراس ليسوا لحماية الممتلكات العامة أو الخاصة من “الغزاة”، بل لمنع المواطنين العاديين من السير في حي يعتبرونه محرماً عليهم، لأنهم لم يصلوا إلى درجة “الامتياز” التي تتيح لهم التنفس في نفس الفضاء مع هؤلاء “السادة”.

يبدو أن هؤلاء اعتبروا قطع الطرقات وتشييد الأرصفة وإقامة المتاريس مجرد تدريب بسيط على هوايتهم المفضلة: التخريب الشامل! وبعدما ملّوا من ألعابهم الهندسية في منع المواطنين من المرور، قرروا نقل مواهبهم إلى مستوى جديد، بتدمير المرافق العامة! ولم يكتفوا بهذا الإنجاز العظيم، بل حولوا ممرات نزول المصطافين إلى شاطئ الأميرات إلى أفخاخ هندسية خطرة تهدد النساء والأطفال وكبار السن. بدلاً من الاستمتاع بالشمس والبحر، أصبح الشاطئ يشبه حلبة تحديات مليئة بالعقبات. إنه “إنجاز” يستحق التصفيق، لكن ليس بأيدينا، بل ربما فقط بالصخور التي نُزعت من الممرات!

هذه هي الفوضى في أبهى صورها، وهذا هو الجبروت في أقصى معانيه. كيف لأشخاص لم نسمع عنهم إلا بقدرتهم الخارقة على تجاوز كل القوانين، أن يحرموا مواطنين عاديين من حقوقهم الأساسية في التجول في شوارع وأحياء عامة؟ ربما نحن الذين أخطأنا في تعريف “الشوارع العامة”، فقد أصبحت في هذه الحالة “شوارع خاصة جداً” لأولئك الذين يعتقدون أن القانون لم يعد يعنيهم، وأن المواطن العادي لا يحق له حتى الاقتراب.

الأسئلة كثيرة، لكن هل من مُجيب؟ كيف وصلنا إلى هذا المستوى من الفوضى والجبروت، حيث تتجاوز قرارات فردية قرارات مؤسسات الدولة، وحتى الإرادة الملكية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى