القيسوني والمحروقات.. النقد المبتور

أثارت تدوينة هشام القيسوني، رئيس المجلس الجماعي لأيت ملول والمنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، نقاشاً واسعاً حول أسعار المحروقات ودعم القدرة الشرائية، بعدما عبّر عن انتقاده لغياب إجراءات لتسقيف أسعار الغازوال والبنزين ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027. غير أن هذا الموقف يطرح بدوره أسئلة ملحة بشأن توقيته ومدى انسجامه مع مواقف حزبه السابقة من الملف نفسه.

فمن حق رئيس جماعة أيت ملول، شأنه شأن باقي المنتخبين والفاعلين السياسيين، أن يعبّر عن مواقفه تجاه السياسات العمومية، وأن ينتقد الإجراءات التي يرى أنها لا تستجيب بما يكفي لانتظارات المواطنين. لكن ممارسة النقد السياسي تقتضي، في المقابل، استحضار السياق السابق وتوضيح ما إذا كانت المواقف الحالية امتداداً لقناعة ثابتة أم تعبيراً عن مراجعة لموقف سابق. وفي هذا الإطار، يصعب قراءة تدوينة القيسوني بمعزل عن موقف حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة خلال الولاية السابقة؛ إذ شهد مجلس المستشارين، بتاريخ 16 يونيو 2026، رفض مقترح قانون يرمي إلى تنظيم أسعار المحروقات وتسقيفها، وفق المعطيات المتعلقة بالتصويت المتداول حول هذا الموضوع، وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن لحزب شارك في قيادة الحكومة أن يجعل من غياب التسقيف موضوعاً للنقد اليوم، دون أن يوضح للرأي العام موقفه السابق من المقترح نفسه؟

إن المسألة هنا لا تتعلق بحرمان رئيس الجماعة من حقه في التعبير، ولا باعتراض مبدئي على مطالبته بإجراءات تخفف العبء عن المواطنين، وإنما تتعلق بضرورة الاتساق في الخطاب السياسي؛ فالمواطن الذي تحمل آثار ارتفاع الأسعار لا ينظر فقط إلى ما يقوله المنتخب اليوم، بل يتساءل أيضاً عما دافع عنه بالأمس، وما الذي فعله حزبه عندما كانت لديه مسؤولية تدبير الشأن الحكومي. وكان بإمكان القيسوني أن يجعل تدوينته مناسبة لتقديم قراءة متكاملة للموضوع، من خلال توضيح أسباب تعثر اعتماد تسقيف المحروقات خلال المرحلة السابقة، وتحديد موقفه الشخصي من المقترحات التي طُرحت آنذاك، ثم شرح ما يعتبره ضرورياً اليوم لحماية القدرة الشرائية. أما الاكتفاء بالإشارة إلى غياب إجراء معين في مشروع قانون المالية الجديد، دون التطرق إلى الخلفية السياسية والتشريعية للملف، فيترك انطباعاً بأن جزءاً أساسياً من النقاش قد غاب عن التدوينة.

كما أن النقاش لا ينبغي أن يختزل في تسقيف الأسعار وحده، إذ توجد مقاربات أخرى، من بينها الدعم المباشر والتدابير الجبائية وآليات تنظيم السوق. غير أن تعدد الخيارات لا يعفي الفاعلين السياسيين من شرح مواقفهم منها، ولا من توضيح أسباب قبولها أو رفضها في مختلف المراحل. وبالنسبة إلى رئيس جماعة أيت ملول، فإن مسؤوليته الانتدابية تمنحه موقعاً للتعبير عن انشغالات الساكنة، لكنها تجعل خطابه أيضاً موضع مساءلة عمومية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس القدرة الشرائية للأسر. فالمطلوب ليس أن يمتنع المنتخب عن النقد، بل أن يكون نقده واضحاً ومتكاملاً، وأن يربط المطالب الحالية بالمواقف السابقة لحزبه.

قد تكون حماية القدرة الشرائية مطلباً مشروعاً يتجاوز الحسابات الحزبية، لكن مصداقية الدعوة إليه تظل مرتبطة بمدى وضوح المواقف والقدرة على تفسير التحولات التي تعرفها. ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه تدوينة هشام القيسوني ليس فقط لماذا غاب تسقيف المحروقات عن مشروع قانون المالية لسنة 2027، بل أيضاً لماذا لم تتضمن التدوينة توضيحاً كافياً لموقف حزبه من هذا الخيار عندما كان يقود الحكومة؟

النقد السياسي حق مشروع، لكن النقد الذي يتجاهل الخلفية التي نشأ فيها الملف يظل ناقصاً، ويمنح الرأي العام سبباً إضافياً للمطالبة بتوضيحات أكثر صراحة من المنتخبين والأحزاب على حد سواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى