
في خطوة حملت دلالات سياسية قوية من داخل مكونات الأغلبية الحكومية، وجه نزار بركة انتقادات ضمنية للحكومة ولرئيسها عزيز أخنوش، من خلال عرضه لمعطيات دقيقة حول الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، في لقاء نظمته رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين بالدار البيضاء يوم 11 يونيو 2026. هذا اللقاء، الذي كان هدفه المعلن هو البحث عن حلول عملية لحماية القدرة الشرائية للأسر المغربية، اعتُبرت تصريحات بركة فيه بمثابة تكذيب واضح للرواية الرسمية التي تصدّرها الحكومة حول تحسن الأوضاع الاقتصادية وتراجع معدلات التضخم.
وقد استند بركة في تشخيصه للواقع الاجتماعي إلى معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، والتي تفيد بأن 75% من الأسر المغربية تؤكد تراجع قدرتها الشرائية، في حين أن 2.5% فقط من هذه الأسر تملك القدرة على الادخار. وأوضح أنه على الرغم من الانخفاض الرقمي المسجل في معدلات التضخم، إلا أن المواطنين ما زالوا يشعرون بعبء وتكاليف المعيشة المرتفعة، مشيراً إلى أن المواد الأساسية باتت تستهلك نحو 8.5% من ميزانية الأسر متوسطة الدخل، وتلتهم ما بين 45% و50% من ميزانية الطبقات الفقيرة.
وعزا بركة هذا الارتفاع المستمر في الأسعار إلى تظافر عدة عوامل، أبرزها توالي سنوات الجفاف، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات الجيوسياسية الإقليمية، فضلاً عن اختلال التوازن بين العرض والطلب في السوق الوطنية. كما أشار إلى أن ارتفاع الصادرات في بعض الفترات أثر سلباً على السوق الداخلية، مما اضطر الحكومة أحياناً إلى التدخل لوقف تصدير بعض الخضر للحفاظ على الاستقرار السعري محلياً.
ولم يقف التشخيص عند العوامل الخارجية والبيئية، بل امتد ليرصد اختلالات بنيوية في منظومة التسويق والوسطاء؛ حيث كشف بركة أن ما بين 35% و45% من الخضر والفواكه لا تمر عبر أسواق الجملة المنظمة، مما يفسح المجال أمام تعدد الوسطاء الذين يساهمون في رفع الأسعار بشكل غير مبرر. واستدل في هذا الصدد بدراسة لمجلس المنافسة تبين أن هؤلاء الوسطاء يستحوذون على هوامش ربح تتراوح بين 34% و50% من السعر النهائي للمنتجات، وهو وضع يضر بالفلاح والمستهلك معاً، ويخدم فقط جيوب فئات لا تنتج أي قيمة مضافة.
وفي مقابل هذا الوضع، طرح اللقاء جملة من الحلول المقترحة الرامية إلى تنظيم الأسواق ومحاربة اقتصاد الريع، بهدف تحقيق توزيع أكثر عدالة للقيمة المضافة والوصول إلى “الثمن العادل” الذي يوازن بين مصلحة الفلاح، القدرة الشرائية للمستهلك، والربح المعقول للموزعين. كما شدد المقال على حيوية تحقيق السيادة الغذائية عبر ضمان حد أدنى من الإنتاج الوطني، وإعطاء الأولوية للمنتجات الموجهة للسوق الداخلية، مع الاستثمار العقلاني في الموارد المائية وملاءمة السياسة الفلاحية مع الإمكانيات المائية المتاحة للمملكة.
كما دعا بركة إلى تسريع وتيرة الرقمنة في القطاع الفلاحي واستخدام التكنولوجيا الحديثة لرفع الإنتاجية وترشيد استهلاك المياه، بما يضمن حماية الفلاح واستفادته من عائد منصف. وتصدرت الدعوة إلى إصلاح جذري لأسواق الجملة قائمة الأولويات، مع التأكيد على أن هذا الإصلاح قد تأخر كثيراً رغم تعاقب الحكومات، مما يستوجب تقليص عدد الوسطاء بصفة استعجالية، وإنشاء شركات جهوية متخصصة في الشراء المباشر من المنتجين، والتخزين، وضمان استقرار التموين.
ولعل أبرز المقترحات الجديدة التي جاء بها اللقاء، تتجلى في الدعوة إلى إحداث مرصد وطني لتتبع هوامش الربح في المواد الأساسية، واعتماد آلية تقنين ومراقبة مشابهة لتلك المعمول بها في قطاع المحروقات، تعزيزاً للشفافية وكشفاً للاختلالات في سلاسل التوزيع والتسويق. وتظل الرسالة السياسية الأبرز لكل هذه الطروحات هي إقرار نزار بركة الصريح بوجود أزمة حقيقية في القدرة الشرائية واستمرار الغلاء، بعيداً عن لغة الأرقام المتفائلة التي تسوقها الحكومة، وهو ما يضع الأغلبية الحكومية أمام تباين واضح في قراءة الواقع الاجتماعي والعملي للمغاربة.



