أيت ملول: مشاريع تهيئة المساحات الخضراء في مرمى الاختلالات التقنية وهدر المال العام

تواجه مشاريع تهيئة وتجهيز المساحات الخضراء والمنتزهات الحضرية بجماعة أيت ملول انتقادات واسعة، عقب الكشف عن مجموعة من الاختلالات التدبيرية، والتقنية، والفنية التي شابت صفقات عمومية كبرى رُصدت لها ملايين الدراهم. وتضع هذه المعطيات المقلقة كفاءة التخطيط ومراقبة جودة الأشغال من طرف المصالح الجماعية المعنية تحت مجهر المساءلة، بالنظر إلى حجم التدهور المتسارع الذي طال التجهيزات المستعملة.

فقد أظهرت المعطيات التي توصلت بها الجريدة بمنتزه “تيمرسيط” وفضاءات “ياسمينة” والشريط المحاذي للإذاعة، تدهوراً سريعاً وبنيوياً في جودة الأثاث الحضري المستعمل. ورغم الميزانيات الضخمة المرصودة لهذه الصفقات، والتي تجاوزت في مجموعها ملايين الدراهم، إلا أن المواد المستخدمة لم تحترم المواصفات المتفق عليها. ففي منتزه تيمرسيط، تحولت الكراسي الخشبية التي كان يُفترض أن تكون من خشب صلب ومقاوم للعوامل الطبيعية، إلى قطع متآكلة ذات ملمس خشن تفضح رداءة المواد المستعملة. ولم يسلم الفولاذ المقاوم للصدأ المخصص لسلات المهملات من الصدأ والتآكل، رغم أن تكلفة الوحدة الواحدة بلغت 1,700 درهم. وفي سياق متصل، شهدت أحواض النباتات بالشريط المحاذي للإذاعة تلفاً كبيراً لعدم اعتماد خشب مسبق الصنع ومقاوم، مما أثر سلباً على المشهد عمرانياً وبصرياً.

ولم تتوقف المعاناة عند رداءة المواد، بل تعدتها إلى غياب الرؤية الأمنية لحماية هذه الممتلكات؛ حيث تعرضت فضاءات الألعاب بـ “ياسمينة 1 و2” لأعمال تخريب متكررة طالت الكراسي، والألعاب، والكشافات الضوئية الأرضية. هذا الوضع دفع بالمسؤولين إلى نقل القطع المخربة نحو قاعات تقنية مغلقة لحمايتها، مما حرم الساكنة من الاستفادة منها وعكس مؤشراً واضحاً على ضعف الحراسة والأمن. وفي الجانب التقني، كشفت المعطبات عن خلل يخص الأرضيات المطاطية الممتصة للصدمات بفضاءات الأطفال؛ فرغم عدم مرور وقت طويل على تسلّم الأشغال في غشت 2020، اقتُلعت أجزاء واسعة من هذه الأرضيات، خاصة تحت لعبة التوازن. ويعود هذا الخلل إلى تقصير واضح في صياغة دفاتر الشروط الخاصة، والتي اكتفت بالإشارة إلى سُمك الخرسانة دون إلزام الشركات بإجراء اختبارات مطابقة المعايير الأوروبية لامتصاص الصدمات قبل قبول الأشغال.

ولعل أبرز تجليات سوء التخطيط والتدبير يظهر في التصميم المعماري لبوابات منتزه تيمرسيط، الممتد على مساحة تناهز 5 هكتارات بكلفة تفوق 4.2 ملايين درهم. فقد حدد التصميم العلو الحر للبوابات في 2.8 أمتار فقط، مدعومة بعارضة خرسانية مسلحة تمنع مرور الآليات الكبيرة. هذا الخطأ الهندسي الفادح منع شاحنات الصيانة وآليات الإطفاء التابعة للوقاية المدنية من ولوج المنتزه. وأمام هذا المأزق، ولتأمين الموقع ضد مخاطر الحريق وتسهيل التدخلات، اضطرت الجماعة إلى اتخاذ قرار يقضي بهدم جزء من سور المنتزه الذي شُيّد حديثاً لتمكين الآليات من الولوج. ويعكس هذا الإجراء الاضطراري خرقاً صريحاً لضوابط البناء العامة التي تفرض ممرات بعرض وعلو لا يقل عن 3.5 أمتار لضمان تدابير السلامة والوقاية من الأخطار.

تضع هذه الاختلالات المتراكمة المجلس والمصالح التقنية أمام مسؤولية مباشرة حول جدوى آليات المراقبة والتتبع أثناء تسلّم المشاريع. وتطالب فعاليات مدنية بفتح تحقيق لتحديد المسؤوليات في هذا الهدر الواضح للمال العام، وإعادة النظر في معايير صياغة دفاتر التحملات لضمان تزويد المدينة بتهيئة حضرية مستدامة تحترم ذكاء وحاجيات المواطنين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى