العيد المر.. كيف حوّل سوء التدبير الحكومي شعيرة الأضحى إلى عبء على الأسر المغربية؟

عاش المغاربة مؤخراً على وقع صدمة حقيقية تزامنت مع شعيرة عيد الأضحى؛ صدمة لم تقتصر على الارتفاع الصاروخي وغير المسبوق في أسعار الأضاحي فحسب، بل تعدتها إلى اختفائها وندرتها الحادة في الأسواق. وأمام هذا الوضع المحتقن، تحاول الرواية الرسمية جاهدة تعليق شماعة الفشل على “الشناقة” أو “الفراقشية” (الوسطاء)، في محاولة مكشوفة للتنصل من المسؤولية. لكن الحقيقة والواقع يؤكدان أن المسؤول الحقيقي والأول عن هذه الأزمة البنيوية هي الحكومة الحالية، وتحديداً وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.

وتطرح علامات استفهام كبرى حول الطريقة التي دُبر بها ملف القطيع الوطني؛ فقد حظي هذا القطاع بعناية ملكية خاصة تجسدت في تخصيص ميزانية ضخمة بلغت 13 مليار درهم بهدف إعادة تكوين القطيع الوطني بعد توالي سنوات الجفاف. بل إن التوجيهات الملكية السامية كانت واضحة وحازمة حينما أمر جلالة الملك بأن تشرف وزارة الداخلية مباشرة على عملية توزيع الدعم الموجه للكسابة، لضمان الشفافية والوصول الفعلي للمستحقين. غير أن التنزيل الفعلي من لدن وزير الفلاحة لم يلتزم بروح هذه التعليمات، مما فتح الباب أمام العشوائية. وفي الوقت الذي أكد فيه بلاغ سابق للديوان الملكي وجود تراجع خطير ومقلق في أعداد الماشية بالمملكة، خرج وزير الفلاحة بتصريحات “وردية” يناقض فيها الواقع، معلناً أن حجم القطيع الوطني قفز فجأة ليصل إلى 32 مليون رأس، وهي أرقام يراها المتتبعون والخبراء غير منطقية، وتفتقد للمشروعية الواقعية بالنظر إلى سرعة النمو المبالغ فيها في ظرف وجيز وسياق مناخي جاف.

ويظل السؤال الحارق الذي يتردد اليوم على لسان كل مواطن مغربي: إذا كان القطيع يتجاوز 32 مليون رأس كما تزعم الوزارة، فأين اختفت الأضاحي في الأسواق؟ هذا التناقض الصارخ دفع بالعديد من الفعاليات الحقوقية والإعلامية إلى توجيه اتهامات مباشرة للحكومة بـ “التضخيم والتلاعب بالأرقام”، بل واعتبار الأمر صنفاً من “الكذب السياسي” على المؤسسات وعلى المواطنين. ولم يتوقف الأمر عند العجز عن توفير العرض، بل امتدت الاتهامات لتطال كبار المستفيدين من الدعم، الذين حوّلوا الرساميل والامتيازات الموجهة لإنقاذ الكسّاب الصغير والمتوسط إلى مصالحهم الاستثمارية الخاصة. وفي السياق ذاته، جاء تقرير “المركز المغربي للمواطنة” ليعري الواقع وينقض السردية الحكومية؛ حيث اعتبر التقرير أن السبب الرئيسي لغلاء الأضاحي وندرتها يعود بالأساس إلى “كذب الحكومة” بشأن الأرقام الرسمية المرتبطة بحجم العرض، مطالبًا بفتح تحقيق سياسي شفاف لتحديد المسؤوليات، ومؤكداً أن نقص العرض الحقيقي في الأسواق هو المحرك الأساسي للاشتعال غير المسبوق للأسعار.

وأمام بوادر الأزمة، لجأت الحكومة إلى خيار استيراد الأغنام والأبقار كحل استعجالي، وخصصت لذلك منحة دعم مالي سخية للمستوردين بلغت 500 درهم عن كل رأس غنم مستورد، لكن الصدمة كانت مزدوجة؛ فلم ينعكس هذا الاستيراد إيجاباً على القدرة الشرائية للمواطنين، وظلت الأسعار ملتهبة. ويعزى هذا الفشل، حسب مصادر متطابقة، إلى أن جلّ الشركات المستفيدة من رخص ودعم الاستيراد كانت مقربة من الحزب الذي يقود التحالف الحكومي، وهو الحزب الذي يدبر القطاع الفلاحي بالمغرب بصفة مستمرة منذ نحو 17 سنة. وبدلاً من توجيه تلك الأغنام المستوردة المدعمة من مال دافعي الضرائب مباشرة لحماية المواطن خلال العيد، استُعمل جزء كبير منها لأغراض تجارية محضة وتحقيق أرباح مضاعفة، مما يشكل نموذجاً صارخاً لتبديد المال العام دون طائل.

لقد وجد المواطن المغربي البسيط نفسه مجبراً على دفع الفاتورة “ثلاث مرات” في هذه الأزمة؛ أولاً عبر الاضطرار لشراء أضاحي صغيرة الحجم والجودة بأسعار خيالية تفوق طاقتهم الشرائية بمرتين أو ثلاث، وثانياً عبر المعاناة النفسية والجسدية لأرباب الأسر في رحلة البحث العبثية عن أضحية غير متوفرة أصلاً في الأسواق، وثالثاً جراء اضطرار فئات واسعة من الطبقة الهشة والوسطى لإلغاء شعيرة الذبح هذا العام مكرهين جراء العوز المادي واختفاء العرض الميسور. ورغم فداحة هذه الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية، لا زال ملف الشفافية والمحاسبة غائباً بشكل يثير الاستغراب؛ إذ لم يتم فتح أي تحقيق رسمي حول الاختلالات التي عرفتها جمعية مربي الأغنام، ولم يبادر البرلمان  إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق أو القيام بمهمة استطلاعية داخلية للوقوف على مصير الملايير المرصودة للقطاع.

إن أزمة الأضاحي الحالية ليست وليدة ظروف مناخية فحسب، بل هي نتاج مباشر لسوء التدبير البنيوي، غياب الشفافية، والتلاعب بالأرقام والإحصائيات من طرف الحكومة ووزارة الفلاحة.

إن هدر أموال الدعم وتوجيهها لخدمة مصالح ضيقة على حساب الأمن الغذائي للمغاربة، يستوجب وقفة حازمة لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تظل جيوب وقدرات المواطنين الاستهلاكية هي الحلقة الأضعف في كل سياسة عمومية فاشلة.

A.Bout

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى