
أكادير: إبراهيم فاضل.
بدعم من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، احتضن فضاء “أكورا” عرضاً مسرحياً لافتاً بعنوان “تاوتمت – الأنثى”، للمخرج جمال تاعمرت، بمشاركة نخبة من الفنانين، من بينهم فيصل الريالي، عبدالله بوكرن، وثورية بوهالي، حيث قدم العمل تجربة فنية غنية جمعت بين العمق الفكري والطرح الجمالي في قالب أمازيغي أصيل.
المسرحية تنطلق من حكاية بسيطة ظاهرياً، تتجسد في شخصية نادلة تعمل داخل مقهى، غير أن هذه الشخصية سرعان ما تتحول إلى محور صراع رمزي بين قوتين متقابلتين: “أومليل” (الأبيض) و “أسكان” (الأسود). هذا التوتر لا يُقرأ فقط كتنافس عاطفي على قلب الأنثى، بل كتمثيل درامي لصراع أعمق يعكس ثنائية القيم داخل الفرد والمجتمع، ويطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في ظل تحولات اجتماعية متسارعة.
اعتمد العرض على بناء بصري قائم على لوحات متتابعة، رصدت تفاصيل دقيقة من الحياة اليومية، مقدمة قراءة سوسيولوجية للعلاقات الإنسانية، حيث تتقاطع السلطة بالعاطفة، والهيمنة بالرغبة في الاعتراف. وقد برزت شخصية النادلة كصوت نسائي مقاوم، يجسد معاناة المرأة العاملة في مواجهة الصور النمطية والأحكام الجاهزة، في مجتمع لا يزال يعيد إنتاج الكثير من التمثلات التقليدية حول أدوار النساء.
ولم يقتصر العمل على ثنائية الذكر والأنثى، بل انفتح على قضايا معاصرة، في مقدمتها الهجرة، حيث تتدرج الأحداث من خيبة رفض التأشيرة إلى مغامرة الهجرة غير النظامية، مروراً بنظرة الآخر للمهاجر، خاصة المنحدر من أصول إفريقية، بما تحمله من أحكام وتمييز، قبل أن تنتهي الرحلة بقناعة العودة إلى الوطن كخيار لإعادة بناء الذات واستعادة الكرامة. هذا المسار الدرامي منح العرض بعداً إنسانياً عميقاً، وجعل من المسرح مرآة لواقع اجتماعي معقد.
على المستوى الرمزي، اشتغلت المسرحية على ثنائية الأبيض والأسود بوصفها مفهوماً يتجاوز اللون إلى دلالات فلسفية تتصل بالهوية والاختلاف والتعايش، حيث يتحول الصراع بين “أومليل” و”أسكان” إلى تجسيد لصراع داخلي يعيشه الإنسان بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وبين القيم المتوارثة والتحولات الجديدة.
العمل، الذي قُدم باللغة الأمازيغية “تاشلحيت” في سياق الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة، أضفى على العرض خصوصية ثقافية واضحة، وساهم في تعزيز حضور المسرح الأمازيغي كفضاء للتفكير والنقاش، لا كوسيلة ترفيه فقط. كما استفاد من طبيعة فضاء “أكورا” الذي أتاح تقارباً كبيراً بين الممثلين والجمهور، مما خلق تفاعلاً مباشراً عزز من قوة الأداء وأثره.
ومن أبرز التقنيات التي ميزت العرض، اعتماد كسر الجدار الرابع، حيث تم إشراك الجمهور في بعض المشاهد، ما حول المتلقي من مشاهد سلبي إلى طرف فاعل داخل التجربة المسرحية، في خطوة تعكس وعياً إخراجياً برهانات المسرح المعاصر.
وفي ختام العرض، بدا واضحاً أن “تاوتمت ” الأنثى، لا تقدم أجوبة جاهزة، بقدر ما تفتح أسئلة كبرى حول المرأة، الهوية، والهجرة، مؤكدة أن هذه القضايا ستظل حاضرة في النقاش المجتمعي. وقد لقيت المسرحية استحسان الحضور، الذين تفاعلوا مع جرأتها الفكرية وأسلوبها الفني، في تأكيد جديد على أن المسرح الأمازيغي قادر على ملامسة القضايا الراهنة بلغة فنية عميقة ومتجددة.




