
تتصدر قضية الترامي على الملك الجماعي بجماعة سيدي بيبي واجهة النقاش العمومي المحلي، كواحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، نظراً لما تحمله من مؤشرات مقلقة حول تداخل المصالح السياسية والاقتصادية في تدبير الشأن العام. ويعكس هذا الملف، الذي يثير لغطاً واسعاً، اختلالات عميقة في آليات حماية الممتلكات العمومية وتوجيهها نحو أهداف غير تلك التي سُطرت لها في المشاريع التنموية الأصلية.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن العقار موضوع الجدل، والمسجل تحت الرسم العقاري رقم 60/15275 بمساحة إجمالية تناهز 25 هكتاراً و80 آرًا، والمخصص أصلاً لإحداث منطقة للأنشطة الصناعية، يعود في ملكيته القانونية لجماعة سيدي بيبي بموجب شهادة ملكية صادرة عن المحافظة العقارية بإقليم اشتوكة آيت باها بتاريخ 20 أكتوبر 2023. ورغم وجود مراسلة رسمية وجهها نائب رئيس المجلس الجماعي إلى باشا المنطقة في 24 يوليوز 2024، يطلب فيها تحديد هوية المترامين على قطع أرضية محددة (من P1 إلى P7) تمهيداً لسلك المساطر القضائية، إلا أن الواقع الميداني يكشف مساراً مغايراً تماماً لتوقعات التنمية المحلية.
ويرى مراقبون أن هذا العقار، الذي انتُزع من ذوي الحقوق بهدف خلق دينامية اقتصادية عبر مشروع “المنطقة الصناعية”، عرف انحرافاً ملحوظاً عن غاياته الأساسية، وسط تساؤلات حول صمت أو تساهل الجهات المسؤولة الذي شرع الأبواب أمام استغلال أجزاء منه من قبل أطراف وُصفت بـ “النافذة”. وتتعزز هذه الشبهات بحديث عن وجود علاقات “تبادلية” مفترضة بين بعض المنتخبين والمستفيدين من هذا الترامي، حيث يُعتقد أن الدعم المالي في المحطات الانتخابية وتوظيف المساعدات الغذائية الرمضانية كأدوات لاستمالة الأصوات، يشكلان خلفية سياسوية لملف يفترض أن يُعالج بصرامة القانون والمصلحة العامة.
ومن الناحية القانونية، تضع مقتضيات المادة 98 من القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات، رئيس المجلس أمام مسؤولية مباشرة ومباشرة لتحريك الدعاوى القضائية لحماية أملاك الجماعة، مما يجعل أي تردد في تفعيل هذه المساطر يفتح باب التأويلات حول احتمال وجود تقصير أو تواطؤ غير معلن يمس بمصداقية المؤسسة المنتخبة. ولا تتوقف تداعيات هذا الملف عند الجانب القانوني الصرف، بل تمتد لتضرب ثقة المواطنين في المؤسسات، خاصة حين يتحول الملك العام من وعاء للاستثمار المنتج لفرص الشغل إلى وسيلة لتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة.
وأمام هذا الوضع، تتعالى الأصوات الحقوقية والمدنية بسيدي بيبي للمطالبة بفتح تحقيق إداري وقضائي شامل لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات، مع التشديد على ضرورة إشراك المجتمع المدني والإعلام في تتبع أطوار هذا الملف ضماناً للشفافية وتكريساً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.



