
تشهد بعض الأحزاب السياسية، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حالة لافتة من التردد في صفوف قياداتها وكوادرها البارزة بشأن خوض غمار الترشح في دوائرهم الأصلية. ويعكس هذا السلوك، في تقدير مراقبين، إشكالاتٍ أعمق تتعلق بضعف القدرة على التواصل المباشر مع المواطنين، وتزعزع الثقة في نجاعة الخطاب الحزبي عند اختباره ميدانياً.
ولا يقتصر هذا التردد على مجرد تحفظ فردي، بل يتجلى في ميل بعض القيادات إلى تحاشي الترشح محلياً، وتفضيل البقاء في “الصفوف الخلفية” بذريعة الإشراف على الحملات الانتخابية وطنياً أو جهوياً. غير أن هذا التبرير يضع استعداد هذه النخب لتحمل المسؤولية السياسية المباشرة على المحك، ويثير تساؤلات حول مدى قدرتها على الانخراط الفعلي في التنافس الديمقراطي، بدلاً من الاكتفاء بدور الموجه من بعيد.
ويرى خبراء في الشأن السياسي أن هذه الظاهرة مؤشر جليّ على أزمة داخلية حزبية، تتبدى في هشاشة الثقة مع القواعد الناخبة، وغياب رؤية استراتيجية قادرة على “تسويق” البرامج الانتخابية بفعالية. كما أن احتجاب القيادات عن دوائرها التقليدية قد يُفسره الناخبون كنوع من التهرب أو الافتقار للجرأة السياسية، مما ينعكس سلباً على الصورة الذهنية للحزب وقوته التنافسية.
من جهة أخرى، يؤكد محللون أن هذا التراجع عن الحضور الميداني يقلص حظوظ الأحزاب في الظفر بالمقاعد، خاصة في ظل احتدام الصراع الانتخابي؛ فالحملات لم تعد تُدار بالشعارات الرنانة فحسب، بل باتت تتطلب تواصلاً مباشراً وقدرة عالية على الإقناع بجدوى البرامج المطروحة.
وتشير مصادر حزبية إلى أن “فوبيا الهزيمة” تعد من أبرز دوافع هذا التردد، إلى جانب البحث عن دوائر انتخابية أكثر “أماناً”. ورغم أن هذا السلوك قد يبدو منطقياً من منظور الحسابات السياسية الضيقة، إلا أنه يكشف في الجوهر عن محدودية في الدفاع عن الأطروحات الحزبية أمام الجمهور.
في هذا السياق، يذهب محللون إلى أن المرحلة الراهنة تفرض على الأحزاب مراجعة أساليب عملها، وتعزيز حضور قياداتها في الميدان كشرط جوهري لاستعادة ثقة الناخبين؛ إذ يظل الالتزام بالترشح في الدوائر الأصلية الاختبار الحقيقي لمصداقية الخطاب السياسي، ومدى شجاعة الفاعلين في مواجهة التحديات بروح من المسؤولية والشفافية.
وفي المحصلة، تبدو هذه الظاهرة أبعد من كونها تردداً انتخابياً عابراً، فهي تعكس خللاً بنيوياً في علاقة الأحزاب بقواعدها، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل العمل الحزبي وقدرته على التأقلم مع متطلبات مرحلة تتسم بارتفاع سقف تطلعات المواطنين وتنامي وعيهم بدورهم في صناعة القرار.
A.Bout



