نشطاء يطالبون بإلغاء سهرة فنية تضامنًا مع متضرري العواصف والفيضانات

في وقتٍ ما تزال فيه مناطق واسعة من شمال ووسط المملكة تعيش على وقع محنة إنسانية قاسية بسبب العواصف القوية والفيضانات المتتالية، التي خلّفت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وشرّدت أسرًا بأكملها وقطعت الطرقات وعزلت الدواوير وخلّفت نقصًا في المؤن والمواد الأساسية، يبرز مشهدٌ صادم يطرح أكثر من علامة استفهام حول حسّ المسؤولية والضمير الجماعي.

فبينما تنخرط القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني، في سباق مع الزمن لإنقاذ الأرواح وفك العزلة عن المتضررين وتقديم المساعدات الإنسانية، اختار البعض السير في الاتجاه المعاكس، بالدعوة إلى تنظيم سهرات فنية واحتفالات صاخبة، وكأن البلاد تعيش أيام رخاء لا أيام محنة.

الملصق الترويجي لحفل فني مرتقب بقاعة الفروسية  أثار موجة استياء واسعة في صفوف عدد من المتتبعين والفاعلين، الذين اعتبروا تنظيم مثل هذه التظاهرات الترفيهية في هذا التوقيت بالذات تصرفًا مستفزًا لمشاعر الأسر المنكوبة، وضربًا لقيم التضامن والتآزر التي عُرف بها المجتمع السوسي والأمازيغي والمغربي عمومًا.

فليس الاعتراض على الفن في حد ذاته، ولا على الفرح كقيمة إنسانية، لكن لكل مقام مقال، ولكل ظرف أولوياته. حين يكون مواطنون بلا مأوى، وأطفال بلا غذاء، وقرى محاصرة بالمياه والطين، يصبح من غير المقبول أخلاقيًا تحويل الأنظار إلى الرقص والغناء والسهر حتى ساعات متأخرة من الليل، وكأن شيئًا لم يكن.

إن اللحظة الوطنية الراهنة تقتضي تعبئة جماعية خلف منطق التضامن، لا منطق الفرجة. تقتضي توجيه الجهود نحو حملات الدعم والمساعدة، وتنظيم مبادرات إنسانية لجمع التبرعات والمؤن، بدل صرف الأموال والطاقات في أنشطة احتفالية لا تراعي السياق العام.

كما يرى منتقدو هذه السهرة أن الإصرار على تنظيمها يسيء لصورة المنطقة، ويُظهر نوعًا من الانفصال عن واقع المواطنين ومعاناتهم، مطالبين بمقاطعة مثل هذه التظاهرات التي وصفوها بـ”غير اللائقة” في زمن الأزمات، ومناشدين السلطات المحلية  التدخل لإعادة النظر في الترخيص لمثل هذه الأنشطة، احترامًا للمشاعر العامة وحفاظًا على السلم الاجتماعي.

لقد أثبت المغاربة، في أكثر من مناسبة، أنهم شعب يتقاسم الألم قبل الفرح، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. واليوم، ونحن أمام اختبار جديد، يبقى السؤال مطروحًا: هل نختار الاصطفاف إلى جانب المتضررين ومدّ يد العون، أم نغضّ الطرف ونحتفل فوق جراحهم؟

إنها لحظة ضمير… قبل أن تكون لحظة فن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى