
في لحظة سياسية لافتة، اختار البرلماني الاستقلالي خالد الشناق أن يعلّق بحدة على إعلان عزيز أخنوش إنهاء دوره على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، مع استبعاده رئاسة الحكومة مستقبلاً حتى في حال تصدر حزبه انتخابات 2026. تدوينة الشناق لم تكن مجرد رأي عابر، بل جاءت في صيغة محاكمة سياسية لتجربة كاملة، عنوانها العريض: تغيير الواجهة لا يمحو الحصيلة.
الشناق ذكّر بأنه سبق أن اعتبر استمرار رئيس الحكومة الحالي “خطراً سياسياً على ما تبقى من الثقة في الحياة السياسية”، وهو موقف قوبل – حسب تعبيره – باتهامات بالمبالغة والتهويل. غير أن المستجد الأخير، في نظره، يؤكد أن كلفة الاستمرار أصبحت مرتفعة سياسياً، وأن ما يُقدَّم اليوم كخيار ديمقراطي داخلي ليس سوى إعادة تموضع اضطرارية لتفادي مزيد من الاستنزاف.
في قراءته، لا يتعلق الأمر بمسألة عدد الولايات أو التداول على المسؤوليات بقدر ما يرتبط بنموذج حكم كامل. الشناق ينتقد ما يسميه اختزال السياسة في منطق الريع، وتغليب منطق المصالح الاقتصادية على القرار العمومي، معتبراً أن التجربة أفرزت تداخلاً مقلقاً بين المال والسلطة، وأضعفت صورة الفعل السياسي لدى فئات واسعة من المواطنين. هذا الاتهام ليس جديداً في النقاش العمومي المغربي، لكنه يكتسب دلالة خاصة حين يصدر عن فاعل برلماني من الأغلبية .
غير أن قراءة المشهد لا تخلو من تعقيد. فإعلان عدم الترشح مجدداً قد يُفهم أيضاً في إطار إعادة ترتيب البيت الداخلي لحزب يسعى إلى الحفاظ على موقعه الانتخابي، خاصة في ظل تحولات اقتصادية واجتماعية ضاغطة. في الأنظمة الديمقراطية، تداول القيادة داخل الأحزاب ليس بالضرورة مؤشراً على أزمة، بل قد يكون استراتيجية لتجديد الخطاب والوجوه. السؤال الحقيقي إذن: هل نحن أمام مراجعة سياسية عميقة، أم مجرد تغيير تكتيكي لتخفيف الكلفة الانتخابية؟
الشناق يذهب إلى أن اختيار مرشح من داخل البنية البرلمانية للحزب، بعد انتهاء آجال الترشيحات، يعزز فرضية الاستمرارية بأدوات جديدة. بمعنى أن الجوهر سيبقى نفسه حتى وإن تغيرت الواجهة. هذا الطرح يفترض أن الإشكال بنيوي لا شخصي، وأن “الأخنوشية” – كما يسميها – هي نمط تدبير أكثر منها مجرد قيادة فرد.
يبقى الثابت أن الثقة في العمل السياسي تظل الرهان الأكبر. فإذا كان تغيير القيادة مجرد إجراء شكلي، فلن يغير كثيراً في مزاج الناخبين. أما إذا ترافق مع مراجعة حقيقية للخيارات والسياسات وأساليب التدبير، فقد يشكل فرصة لإعادة بناء جسور الثقة. بين هذين الاحتمالين يتحدد معنى اللحظة.
النقاش الذي أثاره البرلماني خالد الشناق يعكس حيوية السجال السياسي قبيل الاستحقاقات المقبلة. لكنه يطرح أيضاً سؤالاً أعمق: هل يكفي تغيير الأشخاص لاستعادة الثقة، أم أن المطلوب هو مراجعة قواعد اللعبة السياسية ذاتها؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي يتجاوز الأسماء والشعارات.



