تعقيد المساطر الإدارية: عندما تتحول الإدارة من خدمة المواطن إلى عائق أمام التنمية

في عدد من المدن، يظل موضوع تعقيد المساطر الإدارية واحدًا من الملفات الشائكة، رغم المجهودات التشريعية لتبسيط الإجراءات. فبعيدًا عن النصوص القانونية، يصطدم المستثمرون والمواطنون بممارسات يومية تُفرغ شعار “تقريب الإدارة من المرتفقين” من محتواه الحقيقي.

عراقيل بيروقراطية وظهور “اقتصاد الوساطة”
في حالات كثيرة، يتحول طلب الحصول على وثيقة إدارية بسيطة إلى مسار طويل ومعقّد. يجد المرتفق نفسه أمام:

عراقيل غير مبررة: تأويلات ضيقة للقانون وتأجيلات متكررة.

غياب الشفافية: عدم وضوح الأسباب الكامنة وراء رفض أو تأخير الملفات.

ظاهرة السماسرة: هذا الوضع يدفع البعض إلى البحث عن “حلول ملتوية” عبر وسطاء يُشاع ارتباطهم ببعض الموظفين أو التقنيين داخل الجماعات الترابية لتسريع المصالح.

قطاع التعمير: بين مطرقة المساطر وسندان “لوبيات” العقار
يتخذ الأمر أبعادًا أكثر خطورة في المشاريع العقارية الكبرى وإحداث التجزئات السكنية. حيث يشكو ملاك الأراضي من تضييق غير مفهوم في دراسة الملفات، مما يضعهم أمام خيارين صعبين:

الاستسلام: الدخول في دوامة مساطر لا تنتهي تستهلك الوقت والجهد.

البيع القسري: بيع أراضيهم بأثمان بخسة لمنعشين عقاريين يمتلكون “نفوذًا” وقنوات خاصة داخل المؤسسات المعنية بالتعمير.

إن هذه الممارسات تضرب في العمق مبادئ الحكامة الجيدة، وتسيء لصورة الإدارة ، كما تفرغ مجهودات الدولة في محاربة الرشوة من مضمونها.

غياب المحاسبة وتحديات الرقمنة
أمام هذا الواقع، تبرز تساؤلات مشروعة حول فعالية آليات المراقبة:

أين يتجلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الإدارات الترابية؟

لماذا يتعثر تعميم الرقمنة الشاملة التي تهدف إلى تقليص التدخل البشري؟

ما مدى التزام المؤسسات بالآجال القانونية الملزمة للرد على الطلبات؟

استعادة الثقة: الرهان الحقيقي للمستقبل
يبقى الرهان الحقيقي هو استعادة ثقة المواطن والمستثمر في الإدارة المغربية. وهذا لن يتأتى إلا عبر:

شفافية حقيقية في معالجة الملفات.

تواصل واضح يشرح المساطر والآجال.

تطبيق صارم للقانون على الجميع دون استثناء.

إن الهدف الأسمى هو أن تظل الإدارة أداة لخدمة الصالح العام وتحفيز الاستثمار، لا أن تتحول إلى عائق يقف في وجه التنمية الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى