
تعيش العديد من المجالس الجماعية على وقع توترات وصراعات سياسية متواصلة، باتت تُربك مسار التنمية وتُعطل مصالح المواطنين، في وقت تحتاج فيه الجماعات إلى الانسجام والتعاون لتجاوز التحديات اليومية التي تواجهها.
فبدل أن تكون المجالس فضاءً للنقاش المسؤول واتخاذ القرارات التي تخدم الشأن المحلي، تحوّلت لدى بعض المنتخبين إلى ساحة لتصفية الحسابات وتبادل الاتهامات، حيث تتحكم خلف الستار جهات لا علاقة لها بالانتداب الانتخابي، لكنها تُؤثّر بقوة في تحركات بعض الأعضاء خوفاً على مصالحها الاقتصادية أو الشخصية. هؤلاء “اللاعبون من خارج المجلس” يعمدون إلى توجيه القرارات، وعرقلة بعض المشاريع، ودفع مستشارين نحو مواقف لا تعكس إرادة الناخبين، بل إرادة من يمسكون بخيوط اللعبة من الخلف.
وفي مقابل ذلك، نجد فئة أخرى من المنتخبين لم تستوعب بعد قواعد الممارسة السياسية ولا مقتضيات القانون التنظيمي للجماعات، فيسيرون بلا رؤية واضحة، ويتحولون إلى أداة طيّعة في يد أشخاص يقدّمون أنفسهم “خبراء في الشأن المحلي”، بينما حقيقة الأمر أنهم يبحثون فقط عن تصفية مصالح خاصة عبر دفع المجلس إلى اتخاذ قرارات معينة، أو إسقاط مبادرات أخرى.
وتتفاقم هذه الوضعية أكثر مع فئة ثالثة تستغل العمل الجمعوي لأغراض سياسية. فبدل أن يكون الفاعل الجمعوي شريكًا في التنمية ومرافقة السياسات العمومية، يتم استغلال بعض الجمعيات وإقحامها في صراعات سياسية ضيقة، حيث يُستعمل بعض النشطاء كورقة ضغط أو كبوق دعائي ضد خصوم سياسيين، في مشهد يسيء للجمعيات الجادة ويُفقدها ثقة المواطنين.
هذه الديناميات السلبية داخل المجالس الجماعية تُفرز واقعاً مُقلقاً، حيث تتعثر مصالح المواطنين:
مشاريع تتأخر لأشهر بسبب صراعات بين الأغلبية والمعارضة.
برامج تنموية تتوقف عند مرحلة الدراسة لأن أطرافاً تسعى إلى التحكم في الصفقات أو التصويت.
قرارات تُجمَّد فقط لأنها لا تخدم مصالح أشخاص لا صفة لهم.
وملفات اجتماعية تبقى رهينة التجاذبات، بينما المواطن ينتظر خدمات أساسية مثل الماء، الكهرباء، الطرق، النظافة، النقل المدرسي وغيرها.
إن المجالس الجماعية وُجدت لخدمة الصالح العام، لا لتكون أرضا للولاءات أو ساحة للوصاية أو مسرحاً لحروب انتخابية مبكرة. والممارسة السياسية السليمة تقتضي نضجاً، واستقلالية قرار المنتخب، واحتراماً للمساطر القانونية والمؤسساتية. كما تقتضي من المجتمع المدني أن يحافظ على استقلاليته، وألا يسمح بأن يُستغل لأهداف لا علاقة لها بالتنمية المحلية.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو تحرير القرار الجماعي من كل ضغط خارجي، وبناء مجالس تشتغل بمنطق الكفاءة والمسؤولية، لأن التنمية لا تتحقق بالصراعات، بل بالحوار والتعاون وتغليب مصلحة المواطن على كل الحسابات الضيقة.



