هل أخطأ الاستقلال في عدم التصويت على مقترح تسقيف المحروقات؟

أثار موقف حزب الاستقلال بخصوص عدم التصويت على مقترح تسقيف أسعار المحروقات نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية؛ غير أن قراءة متأنية لخلفيات هذا الموقف تكشف عن رؤية استراتيجية تتوخى التوازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين من جهة، والحفاظ على التوازنات المالية الكبرى للدولة وضمان استدامة الأوراش الاجتماعية والتنموية من جهة أخرى.

ومن الناحية الاقتصادية، يضع حزب الاستقلال تمايزاً حاسماً بين تسقيف أسعار المحروقات وتسقيف هوامش أرباح الشركات؛ إذ يرى أن أسعار البيع تظل مرتبطة بالتقلبات المستمرة للسوق الدولية، وبالتالي فإن فرض سقف جامد للأسعار قد يؤثر سلباً على تزويد السوق الوطنية بهذه المادة الحيوية، بل وقد يهدد الأمن الطاقي للبلاد وتوازنات المالية العمومية. في المقابل، يطرح الحزب بديلاً عملياً يتمثل في تسقيف هوامش الربح كإجراء يهدف إلى الحد من الجشع والممارسات الاحتكارية، وتعزيز المنافسة الشريفة في قطاع المحروقات، دون أن يترتب على ذلك أي أعباء إضافية تثقل كاهل ميزانية الدولة.

وينطلق موقف الحزب أيضاً من قراءة نقدية لتجربة “صندوق المقاصة” السابقة، حيث يرفض بشكل قاطع العودة إلى نظام الدعم الشامل للمحروقات، باعتبار أن الفئات الميسورة والأغنياء كانوا المستفيد الأكبر من ذلك النظام مقارنة بالفئات الهشة. ويرى الاستقلاليون أن إعادة دعم المحروقات ستستنزف موارد الدولة المالية بشكل غير عادل، مما سيؤثر مباشرة على تمويل المشاريع الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها ورش الحماية الاجتماعية وبرنامج الدعم الاجتماعي المباشر؛ لذلك يدافع الحزب بقوة عن خيار توجيه الدعم المالي مباشرة للأسر المعوزة والمستحقة، بدلاً من إهدار الميزانيات في دعم أعمى يستفيد منه الجميع على حد سواء.

ولم يخلُ موقف الحزب من أبعاد سياسية واضحة؛ إذ اعتبر أن جل الانتقادات الموجهة إليه تندرج في سياق المزايدات الانتخابية الضيقة بعيداً عن أي نقاش اقتصادي موضوعي ورصين، مستغرباً كيف أن بعض الجهات السياسية التي تقود حملة الانتقادات اليوم، هي نفسها التي كانت وراء قرار تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عنها في الحكومات السابقة، لتأتي اليوم وتطالب بعكس ذلك. ووصف الحزب هذا التناقض بـ”النفاق السياسي” الذي يحاول استغلال المعاناة اليومية للمواطنين مع الغلاء لتحقيق مكاسب سياسوية ظرفية، مؤكداً أن الرأي العام المغربي يتمتع بالوعي والذكاء الكافيين للتمييز بين المواقف المسؤولة والحلول الشعبوية العابرة.

هذا الموقف لا يعني أبداً تجاهل معاناة المواطنين مع غلاء الأسعار، بل هو حرص من الحزب على تقديم حلول مستدامة ومتوازنة، وتأكيد على التمسك بالإصلاحات الاجتماعية الهيكلية وعدم التضحية بها من أجل مكاسب سياسية مؤقتة، معلناً استمراره في الدفاع عن السياسات العمومية التي تخدم مصلحة الوطن والمواطن على المدى البعيد، بعيداً عن حسابات صناديق الاقتراع الضيقة.

 

A.Bout

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى