
لم يكن السوق الأسبوعي لـ “إداوكنظيف” بإقليم اشتوكة أيت باها يوماً مجرد فضاء عابر لتبادل السلع والمنتجات، بل هو الشريان الاقتصادي والاجتماعي النابض للمنطقة، ومركز حيوي لترويج المنتجات المحلية وتلبية حاجيات الساكنة، ومصدر رزق وحيد لفئات عريضة من التجار والمهنيين. ومن هذا المنطلق، فإن أي خطوة تمس هذا الفضاء تُحدث ارتدادات مباشرة في محيطه، وهو ما يفسر حالة الاستياء والتساؤل التي رافقت انطلاق الأشغال الجارية داخل السوق مؤخراً، والتي تجاوزت حدود الصيانة أو الإصلاحات العادية لتطال تغييرات جوهرية في الشكل الهندسي ومساحات بعض المحلات التجارية وتصاميمها الأصلية.
الأزمة الحقيقية هنا لا تكمن في رغبة الجهات المسؤولية في التأهيل والتطوير، بل في “منطق التدبير الفوقي” الذي يُقاد به المشروع؛ حيث يؤكد التجار المتضررون غياب أي تشاور مسبق أو إشراك لهم قبل إنزال الآليات ومباشرة الحفر، مع عدم تقديم توضيحات تقنية كافية تشرح أهداف هذا التحول للرأي العام المحلي. هذا الغياب التواصلي وضع المهنيين في مواجهة مباشرة مع مخاوف حقيقية تمس لقمة عيشهم، رغم أنهم يجمعون على عدم رفضهم لمبدأ تأهيل السوق أو تحسين ظروف العمل فيه، بل يرحبون بكل مبادرة ترفع من جودة الخدمات، لكنهم يرفضون رفضاً قاطعاً أن يتم هذا التأهيل على حساب حقوقهم المكتسبة، أو أن تُفرض عليهم معالم هندسية جديدة تضيق الخناق على نشاطهم التجاري وقدرتهم على الاستغلال الأمثل لمساحاتهم، فضلاً عن تأثيرها المحتمل على سلاسة ولوج المرتفقين والزبائن.
وأمام هذا الصمت التدبيري المحيط بالمشروع، تتناسل الأسئلة المشروعة في أوساط المهنيين حول التصميم الهندسي المعتمد لهذه التغييرات وحدوده، وعن الجهة المشرفة بشكل مباشر على هذا المشروع، وطبيعة التراخيص القانونية والتقنية التي تؤطر هذه الأشغال، وهل مرت عبر المساطر والمشاريع المصادق عليها رسمياً. إن هذه التساؤلات تضع إشكالية الحكامة والتواصل في الجماعات الترابية القروية تحت المجهر؛ فإطلاق مشاريع تمس البنيات التجارية العتيقة دون وضع آليات واضحة لعرض التصاميم وتلقي الملاحظات، يعيد إنتاج نفس مقاربات التدبير التقليدية التي تتنافى مع مبادئ الديمقراطية التشاركية.
بناءً على هذا الوضع، يصوغ التجار المتضررون ملفاً مطلبياً واضح المعالم وبنبرة استعجالية، يطالبون فيه بالوقف الفوري لكل تغيير ميداني قد يمس مساحات محلاتهم أو تصاميمها إلى حين تقديم التوضيحات اللازمة، مع الكشف عن الأساس القانوني والتقني للأشغال الجارية، وفتح قنوات حوار مباشر وشفاف مع المهنيين لإشراكهم في القرارات المتعلقة بفضاء عملهم اليومي.
إن جوهر القضية في سوق “إداوكنظيف” لا يتعلق بمقاومة التغيير أو رفض التنمية والتحديث، بل يتعلق بالخوف المشروع من المجهول في غياب المعلومة والشفافية.
إن تنمية المراكز القروية لا يمكن أن تنجح إن هي اعتبرت الإنسان والمستفيد تفصيلاً ثانوياً في التصاميم الهندسية، والحل اليوم يبدأ بمبادرة تواصلية شجاعة من الجهات التدبيرية تعيد الآليات إلى الخلف مؤقتاً، وتفتح طاولة الحوار مع التجار، لتكون التهيئة رافعة للاقتصاد المحلي.. لا مقصلة له وباباً لتهجير رواج موروث.



