التهويل السياسي… حين يُصوَّر البرلماني أقوى من الدولة: قراءة نقدية في مقال مثير للجدل

أثار المقال المعنون بـ «برلماني بلا خطوط حمراء…» نقاشاً واسعاً في الأوساط المحلية، لا لقوة معطياته الموثقة، بل لجرأته في إطلاق استنتاجات خطيرة تُحمِّل برلمانياً واحداً ما يفوق حجمه السياسي والدستوري، وتختزل مؤسسات سيادية وإعلامية وحزبية وازنة في مجرد “أدوات طيّعة” بيده؛ في طرح يفتقر إلى أدنى مقومات التوازن والموضوعية.

أولاً: يجب التذكير بوضوح لا لبس فيه، أن قرار توقيف العامل السابق لإقليم إنزكان آيت ملول هو قرار سيادي اتخذته وزارة الداخلية وفق مساطرها واختصاصاتها، وبناءً على تقارير تتبع إدارية رصينة. إن وزارة بحجم ووزن “الداخلية” لا تنتظر توجيهات من برلماني، ولا تخضع لإملاءاته، ومن الإجحاف اختزال قراراتها في “حرب تصفية حسابات” كما حاول المقال الترويج له. إن الإيحاء بأن برلمانياً قادراً على “إزاحة عامل” هو تبخيس خطير للمؤسسات الدستورية، وتشكيك مجاني في منطق اشتغال الدولة.

ثانياً: حاول المقال تقديم رئيس جماعة أيت ملول في صورة “الضحية” لحملة ممنهجة، متغافلاً – عمداً أو سهواً – عن واقع يجمع عليه طيف واسع من الساكنة والمتتبعين، وهو أن الرجل بصم على أداء تدبيري وُصف بالأضعف منذ ترأسه الجماعة. وما على أي متتبع محايد إلا العودة إلى أرشيف منصات التواصل الاجتماعي والمنابر الصحفية، ليتأكد أن الانتقادات لم تكن “حملة مدفوعة”، بل كانت انعكاساً لتراكم سنوات من التدبير المرتبك.

وقد جاءت التساقطات المطرية الأخيرة لتعري الواقع المر: بنية تحتية متهالكة، أحياء تغرق مع أولى الزخات، وغياب تام للاستباقية.. وهي وقائع عاينها المواطنون بالصوت والصورة، ولا تحتاج إلى “توجيه إعلامي” لإبرازها، فالواقع كان أصدق أنباءً من أي مقال.

ثالثاً: بخصوص الاتهام المتعلق بـ “تحكم البرلماني في الصحافة”، وإقحام اسم جريدة وطنية وازنة (في إشارة لجريدة الأخبار)، فإن هذا الادعاء يفتقر للمصداقية. فجريدة “الأخبار” معروفة بوزنها المهني واستقلاليتها، ولم يسبق لها أن “انحنت” لمنتخب أو مسؤول مهما علا شأنه. والقول إن خطها التحريري كان بتوجيه من برلماني هو طعن مجاني في مؤسسة إعلامية لها تاريخها. كما أن الصحافة الجهوية بدورها لا تنتظر ضوءاً أخضر من أحد؛ بل تنشر ما يفرضه الميدان ويخدم الصالح العام.

رابعاً: أما الحديث عن “حرب التزكيات” بين البرلماني ورئيس جماعة القليعة، فهو خلط للأوراق وسابق لأوانه؛ إذ إن الحسم في هذا الملف يعود حصرياً لمؤسسات حزب الاستقلال وقيادته التنظيمية. تحويل هذا النقاش إلى “معركة مبكرة” يخدم فقط أجندة النفخ في الصراعات الوهمية، بعيداً عن التحليل السياسي الرصين.

لقد قزّم كاتب المقال – من حيث لا يدري – وزارة الداخلية، والصحافة الوطنية، وقيادة حزب عريق، وجعلهم جميعاً مجرد “بيادق” في يد شخص واحد، مما يطرح علامات استفهام كبرى:

من المستفيد من تأجيج هذا الصراع المفتعل؟

ومن يحاول اللعب على الحبلين بين السياسة والإدارة والإعلام؟

ومن يدفع نحو صناعة “عدو وهمي” لتبرير الفشل أو تصفية الحسابات؟

الأيام كفيلة بكشف الحقائق، وإظهار من يشتغل في وضح النهار، ومن يتخفى خلف مقالات مشحونة باللمز والاتهام. أما الرأي العام، فقد بلغ من الوعي ما يكفي للتمييز بين النقد المشروع.. وبين التهويل المفتعل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى