أزمة الأسعار في مصر.. التجار في مواجهة منافذ الجيش ومعاناة المواطن لا تتوقف

الرأي24/الحرة

مع الارتفاع اليومي لأسعار المواد الغذائية الأساسية بسبب انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، أصبح تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات هو الشغل الشاغل للمواطنين في مصر. وفي الوقت الذي تعاني فيه الشركات وتجار التجزئة من الركود بسبب حالة التضخم، تحاول الحكومة التدخل في الأزمة عن طريق عرض المنتجات بأسعار أقل نسبيا من خلال منافذ توزيع السلع التابعة للجيش والشرطة ووزارة التموين.

تدخل الحكومة عن طريق منافذها خلق حالة من الغضب في أوساط التجار،  وصل صداها إلى مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية. 

حالة غضب

وما فاقم من حالة الغضب إشارة عدد من المسؤولين الحكوميين في تصريحات رسمية مختلفة  إلى أن التجار والموزعين هم السبب وراء الارتفاع الشديد في أسعار السلع الغذائية. وتمثل الأمر في إعلان وزير التموين، الأسبوع الماضي، “سعي الحكومة لتوفير المنتجات الأساسية في منافذ “أهلا رمضان” التابعة للحكومة تخفيفا من ارتفاع الأسعار على يد التجار”.

لكن تصريحات الوزير عن خطط الحكومة لخفض أسعار المواد الغذائية الأساسية قوبل بانتقادات  من الجمهور الذي اشتكى من أن الأسعار تزيد كل يوم مع عدم ظهور أي مؤشرات على انفراجة قريبة. وتصاعدت الأزمة مع قرار الحكومة المصرية، رسميا، الاثنين، إلغاء التسعيرة الإجبارية للأرز، لتُباع السلعة الاستراتيجية بالسعر الحر بدءا من 15 فبراير الجاري.

ويعاني المواطنون في مصر من أزمة كبيرة تتعلق بتوفر الأرز، حيث تضاءل وجوده بشكلٍ مفاجئ في الأسواق، بالإضافة إلى ارتفاع سعره في بعض الأماكن التي توفره بشكل غير علني.

المنافذ في مواجهة التجار والمستوردين

وخطة التوسع في إنشاء منافذ الحكومة والجيش من أجل التحكم في الأسعار بعيدا عن التجار، وصل صداها داخل أروقة مجلس النواب، الاثنين، بتوجيه عدد من النواب أسئلة لكل من رئيس مجلس الوزراء ووزير التموين بشأن “أهمية وجدوى هذه المنافذ ومدى قدرتها على حل أزمة الأسعار وإلى متى”. كما تساءل النواب عن “التناقض في قرارات الحكومة بين رغبتها التحكم في الأسعار عن طريق منافذها في نفس وقت قرار  إلغاء تسعيرة الأرز”.

التضخم ارتفع لمستويات قياسية في مصر
التضخم ارتفع لمستويات قياسية في مصر في ظل أزمة اقتصادية

وبشأن مدى مسؤلية التجار عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية، قال رئيس شعبة الأرز باتحاد الصناعات، رجب شحاتة، لموقع “الحرة” إنه “إذا تحدثنا عن أزمة أسعار الأرز وعدم توفره في كثير من الأسواق مؤخرًا، سنجد أن سعر إنتاج طن الأرز الشعير وصل إلى 15 ألف جنيه، متسائلا: “إزاي المحلات هتبيعه بـ16 أو 18 جنيه كما تريد الحكومة، بالتأكيد سترتفع الأسعار لتغطية التكلفة”.

وانتقد رئيس شعبة الأرز ، الذي يمثل تجار الأرز في مصر،  لجوء الحكومة إلى توسيع المنافذ كحل لارتفاع الأسعار، قائلا إنها تضر بالتجار والموردين. وأضاف أنه “على الحكومة مساعدة صغار التجار والموردين في خفض التكاليف المفروضة عليهم حتى يتمكنوا من خفض الأسعار أمام المواطنين، بداية من ضرورة توفير العملة الصعبة، وخفض الضرائب ورسوم الجمارك وتسهيل إجراءات الاستيراد والتصدير، خاصة في ما يتعلق بالسلع الأساسية كالزيوت والأعلاف ومستلزمات الإنتاج”.

أسعار المواد الغذائية ارتفعت في مصر بشكل كبير
أسعار المواد الغذائية ارتفعت في مصر بشكل كبير

مشكلة أخرى يواجهها التجار في مصر ، تحدثت عنها أستاذة الاقتصاد في الجامعة البريطانية في مصر، رانيا المنيسي، لموقع “الحرة”، وهي تقييد الحكومة خروج السلع الاستراتيجية من الجمارك، لعدم قدرة البنوك على تدبير الدولار للموردين، بالإضافة إلى أن الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار، دفع الموردين إلى رفع أسعار السلع لتعويض خسارتهم.

وبشأن جدوي المنافذ، قالت المنيسي إن “الحكومة تحاول تسكين الأزمة بشكل مؤقت عن طريق التدخل بنفسها لتبييض صورتها من خلال عرض بعض المنتجات بأسعار أقل من السوق في منافذها”.

وأضافت: “وهذا ليس حلا عمليا أو اقتصاديا ناجحا حتى على المدى القصير، أولا لأنها لن تستطيع تغطية جميع أنحاء مصر، كما أنها لن تستطيع التحكم في الأسعار لمدة تزيد عن شهر خاصة مع عجز الموازنة العامة وحلول مواعيد سداد فوائد الديون”.

وبشأن تحميل صغار التجار والموزعين الحكومة مسؤولية ارتفاع الأسعار، ترى المنيسي أن “عدم إجبار الحكومة لكبار الموردين على الدفع ببضائعهم للأسواق يجعل سعر نفس السلعة متغيرا من مكان لآخر، وفقا لقوة الطلب وتوافر السلع لدى الموردين بالمنطقة. وهذا ما حدث في أزمة الأرز الأخيرة، حين اتهم موزعو الأرز كبار التجار بالاستحواذ على المحصول من المزارعين بأسعار أعلى من سعر التوريد لوزارة التموين، بنحو 4 آلاف جنيه للطن لتصل قيمته إلى نحو 22 ألف جنيه للطن”.

ويتوقع خبراء تفاقم أسعار المواد الغذائية متأثرة بزيادة قيمة الدولار ومعدل التضخم الأساسي إلى 31.5% يناير الماضي، مع تصاعد مشكلة نقص العملة الأجنبية بالبنوك، والتوقع بانخفاض سعر صرف الجنيه.

وكان صندوق النقد الدولي في تقريره عن الاقتصاد المصري الصادر، أوائل يناير الماضي، توقع زيادة العجز الكلي في الموازنة المصرية خلال العام المالي الحالي 2022-2023، الذي ينتهي آخر يونيو المقبل، إلى 746 مليار جنيه مقابل 558 مليار جنيه، حسب تقديرات وزارة المالية المصرية للعجز عند إصدار الموازنة بزيادة 188 مليار جنيه.

ماذا يحدث للأسعار في مصر؟
ماذا يحدث للأسعار في مصر؟

وحذر أستاذ الاقتصاد في جامعة أوكلاند، مصطفى شاهين، من استمرار الجيش والحكومة بالتدخل لمنافسة التجار بدلا من مساعدتهم عن طريق توفير العملة وتسهيل إجراءات الجمارك وخفض الضرائب وضبط الأسعار بالسوق ومنع الاحتكار.

وقال لموقع “الحرة” إنه “عندما يدخل الجيش في أي منافسة مع أي كيان تجاري أو اقتصادي في مصر، تصبح المنافسة غير عادلة وتعمق الأزمة. وأضاف أن “عندما يفتتح الجيش منفذا للسلع الاستهلاكية، فيكون بطبيعة الحال معفيا من أي تكاليف تتعلق بالإيجار أو أجور العمالة أو حتى الضرائب، وهذا ليس عادلا”.

وتحدث شاهين عن خطورة استمرار تدخل الحكومة والجيش على خفض تقييم وتصنيف مصر من قبل المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد.

وقال “صندوق النقد دفع الحكومة لبيع حصص من الشركات العامة لصناديق سيادية خليجية، كوسيلة منه لدفع الحكومة لتنفيذ مطلبه بخصخصة عدد من الشركات منذ اتفاقه مع مصر عام 2016، والذي لم يتحقق في السنوات الماضية، مستغلا حاجتها للحصول على الدولار، وهو ما تم بالفعل منذ أبريل الماضي، ويتوقع استمراره خلال السنوات الخمس المقبلة”.

وأضاف “وتوقع الصندوق، حسب تقريره الأخير عن الاقتصاد المصري، بلوغ الحصيلة 8.7 مليارات دولار خلال تلك الفترة، أي ما يعادل 258 مليار جنيه بأسعار صرف منتصف فبراير الحالي”.

وتحدث شاهين عن أن الحكومة المصرية بحاجة ملحة لوضع نظام حديث للدعم، حتى تستطيع مساعدة المواطن لكن بدون التدخل بنفسها في منافسة مع التجار والموردين.

الأخبار ذات الصلة

المزيد من الأخبار جار التحميل...لا يوجد المزيد من الأخبار