الرأي24

أعادت فاجعة معمل البرانص بطنجة أذهان المغاربة لمأساة مهنية اخرى سنة 2008 بالمنطقة الصناعية ليساسفة حين لقي 56 عاملا وعاملة مصرعهم احتراقا و اختناقا داخل محرقة “روزامور” للأفرشة، هذا الوضع يطرح مرة أخرى سؤال مدى سلامة ظروف العمل بالاوراش والمقاولات المغربية وكذا فاعلية أجهزة الرقابة في جزر ومتابعة المخالفين لمقتضيات ومساطر المنظمة لفضاءات العمل، الحادث وجه مرة أخرى الانتقاد لجهاز مفتشية الشغل الذي يحتفل هذه السنة بذكرى تأسيسه الخامسة والتسعين .

فاجعة طنجة خلفت أسى وحزن كبير ،لكن قبل الحديث عن المسؤول وطبيعة الجزاءات وجب طرح السؤال حول مدى قدرة المنظومة الحكومية كسياسات عمومية على متابعة ومراقبة النشاط المقاولاتي ومدى احترامه للمعايير الآمنة والمنظمة لفضاءات العمل .

جهاز مفتشية الشغل ….ماذا يعني ؟

أنشئت مفتشية العمل في سنة 1926 وذلك بموجب الظهير الصادر في 13 يوليوز 1926 الذي أنشأ هيئة مفتشي العمل، لكن هذا الدور الرقابي للمقتضيات التشريعية والتنظيمية للتشريع المنظم للشغل ضل مشتتا في ظهائر ومراسيم وقرارات مختلفة،

ومع مدونة الشغل الصادرة بموجب القانون رقم 99-65 بتاريخ 11 شتنبر 2003 و التي دخلت حيز التطبيق في يونيو 2004 تطورت المهام القانونية الجديدة لهذا الجهاز من أدور المصالحة و تسوية نزاعات الشغل الفردية والجماعية الى إعطاء النصح و الإرشاد لأطراف العلاقة الشغلية قصد التطبيق الأمثل لأحكام تشريع الشغل إلى جانب الدور الأساسي المتمثل في وظيفة التفتيش والمراقبة.

بحسب المادة 533 من المدونة ،يرخص للأعوان المكلفين بتفتيش الشغل الدخول بحرية، ودون سابق إعلام، كل مؤسسة تخضع لمراقبة مفتشية الشغل، في أي وقت من ليل أو نهار، كما يباشروا كل أنواع المراقبة، والبحث، والتحري، التي يرونها ضرورية للتأكد من أن الأحكام القانونية والتنظيمية مطبقة فعلا، إما فرادى، أو بالاستعانة بخبراء في المجالات العلمية والتقنية كالطب والهندسة والكيمياء.

كما يخول لهم القانون، استفسار المشغل و أجراء المؤسسة، على حدة أو بحضور شهود، حول جميع الشؤون المتعلقة بتطبيق الأحكام القانونية والتنظيمية المتعلقة بالشغل وكذا المطالبة بالاطلاع على جميع الدفاتر، والسجلات، والوثائق، التي أوجب التشريع المتعلق بالشغل مسكها، ليتحققوا من مدى مطابقتها للأحكام القانونية، ولهم أن يستنسخوها، أو أن يأخذوا ملخصات منها.

مفتش الشغل وسؤال الجدوى والفاعلية

هذا الإطار التنظيمي الذي يظهر مثينا على مستوى السند القانوني ، قد يتلاشى ان عدنا إلى لغة الأرقام وبالذات معطيات صندوق الضمان الاجتماعي خلال سنة 2019، حيث لدينا 252 ألف و84 مقاولة مصرح بها، هذا الرقم والذي يبقى تقريبيا بسبب عدم تصريح المقاولات وتداعيات أزمة كورونا ، يتكلف به 317 مفتش شغل فقط على طول التراب الوطني .

يقر محمد أمكراز وزير الشغل والإدماج المهني أمام البرلمان بوجود نقص عددي واضح في عدد مفتشي الشغل مشيرا إلى أنه تم تخصيص 55 منصبا للوزارة فقط برسم 2020 .

ويبقى هذا الرقم الضئيل غير كاف رغم تطوره مقارنة مع السنوات الأخيرة، ليطرح السؤال هل يكفي السند القانوني للحديث عن تحسين ظروف العمل في الوقت الذي يعاني أصلا الجهاز الموكول له مهام الرقابة التفتيشية من فراغ بشري يعيق عمله .

وبحسب الدراسات العلمية الصادرة حول منظومة تفتيش الشغل المغرب ، يعيب الباحثون في العلوم القانونية طبيعة الالية والتي تجاوز بين المهام التفتيشية التصالحية ، حيث تركز العديد من الأبحاث القانونية على ضرورة إصلاح جذري للجهاز عبر الفصل بين قطب التفتيش والمصالحة .

بعد قبو النسيج السري …. ما العمل ؟

يرفض عبد السلام الصديقي، الخبير في مجال التشغيل والوزير السابق لوزارة الشغل والإدماج المهني تحميل المسؤولية فقط لجهاز تفتيش الشغل، موضحا الى ان الفاجعة هي مسؤولية الجميع .

ووفق الصديقي الجميع يعلم أن ثلثي العمال غير مصرح بهم على مستوى الصناديق الاجتماعية ولا يتمتعون بأي تغطية صحية ،والكل متعايش مع قطاع تختلف تسميته واليوم اضفنا له عبارة “سري” ، والجميع يعلم أن هناك أزيد من مليون مقاولة تشتغل بشكل غير قانوني .

وشدد المتحدث في تصريح لدوزيم، على أن الجميع يعرف أن مقتضيات مدونة الشغل رغم أهميتها لا يتم احترامها إلا في حدود ضيقة، بالتالي لا يمكن التحامل على جهاز التفتيش رغم النقائص التي يعرفها على مستوى موارده البشرية .

ونبه صديقي الى استحالة تنزيل هذا الجهاز للمهام الموكولة له مهما كانت إرادته وقوته في ظل الخلل الحاصل على مستوى بنيته التنظيمية الغير مواكبة لسوق المقاولة المتسارع .

ويرى الوزير السابق لوزارة الشغل ان الفاجعة تسائلنا جميعا كمغاربة ، خصوصا اما الحاجة الى ارادة تشريعية واضحة ومراقبة مستمرة بالموازاة مع تطور حاجات المجتمع ، مشددا بالقول “الله غالب الناس مرغمين على الاشتغال في تلك الظروف، وذلك بسبب عدم وجود بديل “.

وخلص الصديقي في جوابه على المسؤولية السياسية، ارجع الصديقي أسباب الاختلالات التي يعرفها مفتشية الشغل الى عدم تجاوب رئاسة مع مطالبه ، موضحا الى انه وجه العديد من المراسلات لتنبيه الرئاسة بالمشاكل التي يعرفها الإطار التنظيمي لمفتشية الشغل ، فيما يتم الجواب على تلك المطالب بمناصب مالية هزيلة تعد بالوحدات ، في الوقت الذي يعرف الجهاز نزيفا بسبب إحالة اطر المفتشية لوضعية التقاعد.