الرأي24/ج مبروكي

عندما كنت صغيرا كنت أسمع المغاربة وهم في حالة من الغضب وخيبة الأمل يرددون نفس العبارة “هادْ البلاد مَعَمَّرْها وْ لا تْفْدّْمْ”، ومرت عشرات السنين وما زلت أسمع نفس الشيء. من الواضح أن نفس الملاحظة أدلى بها جميع المغاربة ويكررونها ملايين المرات ورغم مرور الوقت لا تزال قائمة حتى اليوم أمام مثل المواقف التالية: – فوضى في المباني والمدن العشوائية وأحياء الطبقة العاملة دون احترام القواعد – سوء حالة الطرق – أرصفة الأزقة و الشوارع غالبًا ما تكون خطرة على المشاة وتغزوها المقاهي والمطاعم والجزارين والميكانيكيون والنجارون والسلع والخضروات ومحلات البقالة وأقفاص أسطوانات الغاز – المتسولين في كل زاوية من الشوارع – مسار عَقبة للحصول على وثائق إدارية – عدم احترام المواطنين بسلوكهم وقذارتهم ورائحتهم الكريهة – سوء الرعاية في المستشفيات وقلة التغطية الطبية وغياب المساعدات الاجتماعية – تهميش المصابين بالإعاقة العضوية والنفسية والعقلية – الفقر المدقع والثراء المدقع – الظلم – الفساد – وسائل النقل الكارثية – غياب الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية – الوضع الكارثي للمناطق الريفية – تدهور التعليم والمدارس ذات السرعتين – البطالة وباختصار فإن هذه الملاحظة التي تُنتهك فيها كرامة المواطن انتهاكًا تامًا تتلخص في التعبير عن غضب المغربي “هادْ البلاد مَعَمَّرْها وْ لا تْفْدّْمْ”! وهنا أتساءل إلى متى سوف تتكرر هذه الملاحظة وما هي فوائد تكرار التعبير عنها بغضب؟ عادة بمجرد إجراء الملاحظة يجب أن ننتقل إلى الخطوة التالية وهي العلاج والتصحيح، وأتساءل هنا كذلك لماذا يستقر المغربي في هذه المرحلة دون أن يتمكن من الانتقال إلى المرحلة التالية وكأنه مشلول رباعي أو مصاب بالخرف؟ بعد تحليل هذا السلوك سوف أحاول توضيح عدة أسباب على الشكل التالي: 1- الخضوع وغياب الشعور بالمسؤولية للأسف، نظام التربية الأبوية والمدرسية والدينية لا يُعلم المغربي الشعور بالمسؤولية والواجب تجاه نفسه وإخوانه المواطنين ولذلك فهو لا يمتلك الحس بالانتماء إلى المجتمع وبأنه فاعل في تنمية حَيِّه ومدينته وبلده. يعتمد نظام التربية الأبوية والمدرسية والدينية فقط على آلية “الطاعة العمياء” دون التشكيك في السلطة الأبوية وسلطة المعلم (ممثل الحكومة) والسلطة الدينية (ممثل الله). ولذا فإن المغربي مهيأ ومشرط للطاعة وهو لا يتعلم ولا يدمج حس المسؤولية ولذلك فهو لا يشارك في تغيير وتقدم بلاده ويبقى راضٍ عن كونه مستهلكًا ومتفرجًا. 2- الخوف واللعنة إن المغربي مرعوب من السلطة الديكتاتورية لنظام التربية الأبوية والمدرسية والدينية لأنه إذا لم يطيع، فإنه يخاطر بأن يُلعن من قبل الوالدين والمدرسة والله وأن يعاقب على الأرض (حياة مطعمة بالمصائب) وبعد موته (جهنم). وهذا الخوف المرعب المُترسخ في دماغ المغربي يجعله مخلوقا قلقا ومطيعا للبقاء على قيد الحياة وقلقا من خوف وَهْمي يشلّه. 3- شخصية محطمة لقد دمر نظام التربية الأبوية والمدرسية والدينية شخصية المغربي بشكل كامل منذ ولادته، فقد تطور في مكانة حسية غير آمنة حيث العنف مستمر (العنف اللفظي والجسدي والعنف الزوجي والعائلي). وبعد ذلك، يصل إلى المدرسة ثم يُعنَّف بالإحباط (ضحية نظام النقط والتنافس والمقارنة) والضرب الجسدي في كثير من الأحيان. ولكنه أيضًا ضحية التربية الدينية التي تهدده بالعقاب الصارم إذا عصى والديه (المرجع الديني) ودينه (الإله). وكل هذه الأنظمة التربوية تعيد تشكيل بنية دماغه ليجعله كائنا مطيعًا مرعوبًا ومرهوبًا. 4- العنف الديني المرجعية الدينية لا تشجع المغاربة على المشاركة في تنمية قدراتهم الفكرية والدّين يشترط على المغربي أن يكون مطيعاً وأن يبحث باستمرار عن الرضاء الإلهي لتجنب الجحيم. ومن الواضح أن الدّين يُعلم المغربي أنه يوجد على الأرض ممثلو الله ويجب ألا يعصيهم بأي حال من الأحوال وإن لم يكن سوف ينال عقابا إلهيا شديدا على الأرض وبعد وفاته. ومن الواضح أن هذا العنف راسخ في دماغ المغربي ويجعله مرعوبا على الدوام. 5- عدم وجود التفكير النقدي والاستقلالية نظام التعليم الأبوي والمدرسي والديني يحارب بكل قوته الفكر النقدي الذي يُعتبر خطيئة ضخمة مثل انتقاد الوالدين أو الله أو الدّين أو ممثل الله على الأرض. ومن الواضح أنه بدون عقل نقدي، من المستحيل أن يصبح المغربي مستقلاً وبالتالي أن يكون مواطنًا بالغًا وفاعلا مسؤولاً! لذا فليس من خطأ المغربي أن يكرر ملاحظته الشهيرة “هادْ البلاد مَعَمَّرْها وْ لا تْفْدّْمْ” لأنه قد تبلور منذ صغره على أن يتحول إلى مواطن غير فاعل ومشلول ! * الدكتور جواد مبروكي، طبيب نفساني، باحث وخبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي :