الرأي24/ع ب

سلطت أحداث شهدتها بعض الدول الأوربية، وأخرى تجنبتها بعدما كانت وشيكة الوقوع، الضوء على جهاز المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (ديستي). وكان للمخابرات المغربية الدور الكبير في إفشال عدد من المخططات الإرهابية التي كانت تستهدف زعزعة أمن واستقرار عدد من الدول. كما أن لـ”الديستي” في الخارج، كما في الداخل، بشكل غير مباشر، السبق في الوصول السريع إلى العناصر المتطرفة التي تتربص بأمن واستقرار العديد من البلدان، وكان عمل هذا الجهاز نموذجيا في التعاون المشهود به مع الشركاء الرئيسيين للمغرب، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا وغيرها.

وتشكل آلية التعاون والتنسيق الأمني أحد محاور الشراكة الاستراتيجية التي تجمع المغرب بعدد من الدول، بما فيها دول الجوار الشمالي، حيث كانت يد المملكة ممدودة دائما إلى الأوربيين بالتحديد في كل تعاون وتنسيق أمني لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وقدمت مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني مساهمات قيمة للأجهزة الأمنية بعدد من الدول، بل إن عناصر جهاز الاستخبارات المغربية شاركوا في تفكيك عدد من الخلايا الإرهابية وإبطال مخططات وحمامات دم كانت قاب قوسين في هذه الدول، وكان آخرها تقديم المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني معطيات مهمة للوكالات الأمريكية للأمن لتحييد خطر جندي أمريكي متطرف خطط لتنفيذ هجوم إرهابي دموي يستهدف النصب التذكاري لـ 11 شتنبر في مانهاتن بنيويورك..

وبفضل التعاون الوثيق الذي يجمع المغرب وعددا من الدول الكبرى في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب، تواصل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني تميزها على المستوى العالمي في عملياتها الاستباقية والنوعية، التي كان لها الأثر الإيجابي، والذي جعل المغرب يترأس بشكل شبه دائم المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، وينظر إلى المقاربة المغربية في محاربة الجريمة الإرهابية نظرة التجربة النموذجية الناجحة في مواجهة هذه الآفة التي تهدد العالم برمته.

المغرب يجنّب نيويورك حمام دم

كشفت مصادر إعلامية أمريكية أن المصالح الاستخبارتية المغربية مكنت نظيرتها الأمريكية من اعتقال عنصر إرهابي خطير كان يخطط لتنفيذ مجزرة في قلب مدينة نيويورك.

وقالت المصادر إنه تم إلقاء القبض على جندي يدعى كول بريدجز في نهاية الأسبوع الماضي، بينما كان يخطط لهجوم إرهابي، كما كان يقوم بتسريب معلومات حساسة عن القوات الأمريكية في الشرق الأوسط إلى عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية”، وفق ما أوردته صحيفة أمريكية، مشيرة إلى أن بريدجز التحق بالجيش الأمريكي سنة 2019، وفي نفس العام تشبع، حسب ممثلي الادعاء، بأفكار الجماعات الإرهابية، مشيرة إلى أنه بدأ في التعبير عن آرائه على وسائل التواصل الاجتماعي، والتفاعل في المنتديات المتطرفة تحت اسم مستعار “كول غونزاليس”.

وفي شتنبر 2020، تمت إثارة انتباه حكومة الولايات المتحدة إلى قضية بريدجز، بفضل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وذكرت المصادر أن هذه المؤسسة (المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني)، عملت بشكل وثيق مع الولايات المتحدة في جهودها لمكافحة الإرهاب، وأبلغت الحكومة الأمريكية بأنشطة بريدجز على الإنترنت، مشيرة إلى أنه بين شهري شتنبر ونونبر 2020، تم تعيين المشتبه فيه في قاعدة عسكرية أمريكية في ألمانيا.

ولفتت حادثة اعتقال المتطرف الأمريكي الأنظار إلى التعاون المغربي- الأمريكي على المستوى الاستخباراتي، حيث سبق للمدير العام للأمن الوطني، المدير العام لمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف الحموشي، أن أجرى بمقر المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بتمارة مباحثات مع وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، خلال زيارته إلى المملكة في دجنبر 2019.

وبعد ساعات فقط من مغادرته للمغرب، خصص مايك بومبيو للمسؤول الأمني المغربي الرفيع عبد اللطيف الحموشي تغريدة خاصة على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” للاحتفال بهذا اللقاء مرفوقة بصور جمعته مع الحموشي، قائلا: “لقد كان شرفا أن ألتقي المدير العام عبد اللطيف الحموشي اليوم من أجل التأكيد على التزامنا بمحاربة الإرهاب وتعاوننا الأمني الوثيق. نثمن مشاركتنا في الحرب ضد الإرهاب مع المغرب ونعمل معا لتحقيق السلم والأمن في العالم”.

المخابرات الألمانية تتتلمذ على يد مغاربة

في سنة 2016 كشفت وثائق أفرجت عنها السلطات الألمانية أن المخابرات المغربية حذرتها من عملية إرهابية يخطط لها تونسي، وجاء في الوثائق أن المصالح الأمنية المغربية علمت بالصدفة عام 2016 بمعلومات بشأن التونسي أنيس العمري، الذي نفذ لاحقا هجوم الدهس في برلين، وذلك بسبب صلاته بإسلاميين متطرفين منحدرين من المغرب في ألمانيا.

ووفقا للوثائق، التي اطلعت عليها الوكالة، فقد قدمت الاستخبارات المغربية للمكتب الاتحادي للشرطة الجنائية في ذلك الحين معلومات مفصلة عن مغربي، ومغربي-فرنسي، والعمري، وكانت الاستخبارات المغربية تركز في ذلك على اتصالات محتملة للثلاثة مع أنصار لتنظيم «داعش» في سوريا أو ليبيا أو العراق، وبحسب الوثائق، فقد حذرت المخابرات المغربية من أن العمري إسلامي لديه استعداد للقتال ويعتزم تنفيذ «مشروع» لا يمكنه التحدث عنه عبر الهاتف.

غير أن تجاهل الجهات الأمنية الداخلية في ألمانيا للمعطيات الاستخباراتية الواردة من المغرب مكن العمري من النجاح في تنفيذ هجوم دهس بشاحنة في أحد أسواق عيد الميلاد في برلين، يوم 19 من دجنبر 2016، أسفر عن مقتل 12 شخصا وإصابة أكثر من 70 آخرين، وفر العمري في وقت لاحق إلى إيطاليا وهناك لقي حتفه في مدينة ميلانو برصاص الشرطة الإيطالية.

وتكشف الوثائق أن المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية أطلع سلطات الأمن على المستوى الاتحادي والولايات على المعلومات، وطلب من المكتب الاتحادي لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية الألمانية)، في ذلك الحين، التحري عن المعلومات القادمة من المغرب، وكشفت التحقيقات التي تجريها اللجنة البرلمانية المختصة بالهجوم أن الاستخبارات الداخلية الألمانية لم تتحر عن المعلومات سوى لدى الاستخبارات الأمريكية التي لم تقدم ردا إلا عقب وقوع الهجوم.

التنسيق الاستخباراتي مع المغرب.. مطلب دولي

في سنة 2015، وعقب الهجمات الإرهابية التي شهدتها العاصمة الفرنسية، باريس، طلبت بلجيكا تعاونا استخباراتيا من المغرب، في وقت كانت تواصل فيه السلطات البلجيكية ملاحقة أشخاص يشتبه بضلوعهم في هجمات باريس التي أودت بحياة نحو 130 شخصا، واعتبرت الأعنف في تاريخ مواجهة فرنسا للإرهاب، واتصل حينها الملك البلجيكي فيليب بالعاهل المغربي الملك محمد السادس “وطلب مساعدة وثيقة ومتقدمة في مجال الأمن والمخابرات من المملكة المغربية”.

وإثر هذا الاتصال بين عاهلي البلدين، أجرى وزير الداخلية حينها، محمد حصاد مباحثات مع نظيره البلجيكي جان جامبون من أجل “التفعيل الملموس والفوري لهذا الطلب، على غرار التعاون القائم مع فرنسا”، وذلك لما لمسته حينها السلطات البلجيكية من حنكة لدى الاستخبارات المغربية التي سبق وحذرت من عناصر إرهابية تتجول بين البلدان الأوربية، ووفرت المصالح الأمنية المغربية حينها معلومات استخباراتية ساعدت المحققين الفرنسيين في اقتفاء أثر البلجيكي من أصل مغربي عبد الحميد أباعود المتهم بالتخطيط لهجمات باريس، والذي قُتل في هجوم للشرطة على شقة بمنطقة سان دوني شمال باريس.

كما عجلت الأحداث التي شهدتها العاصمة الفرنسية في 2015، بعودة التنسيق الأمني والاستخباراتي بين الرباط وباريس، بعد فترة فتور شهدتها العلاقات بين البلدين، تعود من فرنسا سريعا وتعلن عودة الدفء مع المغرب بمناسبة مباحثات جمعت حينها بين وزير الداخلية محمد حصاد، ونظيره الفرنسي برنار كازونوف الذي زار المغرب، حيث أعلن الوزيران “استعدادهما لتعزيز التعاون في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب”، كما أعرب حينها حصاد عن استعداد المغرب لتعزيز التعاون بين المؤسسات الأمنية في البلدين.

وبدوره اعتبر ألان جويلي، المدير السابق للمخابرات الخارجية الفرنسية ورئيس أكاديمية الذكاء الاقتصادي، والخبير الدولي في الذكاء الاقتصادي وإدارة الأزمات، أن المغرب يلعب دوراً هاماً على جميع المستويات في الحرب المستمرة ضد الإرهاب والتطرف العنيف من خلال الخبرة التي راكمها بهذا الخصوص”. وأشار الخبير الدولي، في حوار صحفي بعد مغادرته لمنصبه، إلى أن “المغرب يتوفر على أجهزة استخباراتية ممتازة تمكنه من المعلومات اللازمة لتحديد تطور المنظمات الإرهابية وقادتها، وتوقع جميع أشكال التهديد الإرهابي، والتصرف ضدها بفعالية من خلال استراتيجية استباقية”.

وأوضح ألان جويلي، الذي سبق له أن شغل منصب مدير الاستخبارات في المديرية العامة الفرنسية للأمن الخارجي (DGSE)، ومسؤول مكلف بالاستخبارات الاقتصادية في الأمانة العامة للدفاع الوطني الفرنسي، أن “المغرب يستفيد أيضا من شبكة تبادل المعلومات مع البلدان الشقيقة، حيث يتم تعقب الشبكات الإرهابية الخطيرة، وتتبع عناصرها أينما وجدوا”.

“الديستي” والمخابرات الهولندية.. تنسيق أسقط “عزرائيل”

نجحت الاستخبارات المغربية في كسب نقاط جديدة بوأتها مكانة مرموقة في منظومة التعاون الدولي الأمني، حيث تمكنت من توفير معلومات مهمة للسلطات الأمنية الهولندية ساعدتها على اعتقال عدد مهم من عناصر المافيا التي تنشط في العديد من المدن الهولندية ضمنهم شقيقة زعيم التنظيم المافيوزي خطير يطلق عليه عصابة “ملائكة الموت”، وهي العصابة التي أربكت المصالح الأمنية الهولندية، بعد سلسلة من الاغتيالات التي قامت بها عناصرها وذهب ضحيتها أزيد من 46 ضحية، كما نقلت المافيا تصفية حساباتها إلى المغرب، من خلال جريمة مقهى لاكريم بمراكش، والتي بسببها دخلت الأجهزة الأمنية المغربية على الخط حيث نجحت في اعتقال مالك المقهى ومنفذي الجريمة ومتهمين آخرين في وقت قياسي.

وتمكن الأمن المغربي من إسقاط “عزرائيل” هولندا، وكشف مكان وجوده وكشف امتدادات العصابة الإجرامية، من خلال التنسيق المحكم مع المحققين الهولنديين مباشرة بعد حل السلطات المغربية لغز جريمة مقهى لاكريم، واعتقال المنفذين المباشرين وهما هولنديا الجنسية، والوصول إلى عقلها المدبر، وقد كانت السلطات الأمنية الهولندية تشك في وجود زعيم المافيا بالمغرب، وتخفيه بأسماء مستعارة، وإشرافه المباشر على عملية الاغتيال التي كانت تستهدف صاحب المقهى، إلا أن الاستخبارات المغربية أكدت عدم وجود المتهم فوق التراب المغربي، ووفرت للأمن الهولندي معلومات عن تحركاته، إلى أن ساعدت في تحديد مكان وجوده بالإمارات وتحديدا في دبي منذ يوليوز 2019.

“نجاح كبير” في شبه القارة الهندية

امتدت جهود وثمار التعاون المغربي الدولي في مجال مكافحة الإرهاب إلى خارج القارتين الأمريكية والأوربية، فقد قالت الصحيفة الهندية “إيكونوميك تايمز”، إن الهند والمغرب تعاونا لمنع مزيد من الهجمات الإرهابية في سريلانكا، بعد تفجيرات عيد الفصح التي أسقطت المئات من الضحايا بين قتلى وجرحى. ووصفت الصحيفة التعاون بين الهند وشريكه الشمال إفريقي بـ”النجاح الكبير” في عمليات مكافحة الإرهاب في شبه القارة الهندية في الآونة الأخيرة، كونه مكن من تفادي وقوع مزيد من العمليات الإرهابية.

وأوردت الجريدة أن المغرب يتوفر على بنك معطيات كبير حول تنظيم “داعش” وشبكاته، ووفر معطيات لسيرلانكا، ما أدى إلى تنفيذها عمليات في “كولومبو” العاصمة الاقتصادية للبلاد، للقضاء على عدد من الإرهابيين الذين كانوا يخططون لجولة ثانية من الهجمات بعد تفجيرات عيد الفصح. وإلى جانب المعطيات الإضافية التي قدمها المغرب لسريلانكا والتي ساعدت في استباق هجمات إرهابية أخرى، كان تنظيم “داعش” يخطط لتنفيذها، فالمغرب، حسب نفس المصدر، ساعد مخابرات دلهي وكولومبو في التعرف على تسعة انتحاريين مسؤولين عن تفجيرات 2019.

وجاء التأكيد الهندي على التنسيق الأمني والاستخباراتي مع المغرب عقب الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الهندي إلى الرباط، حيث أكد مسؤولو المخابرات الهندية على أن بلادهم بدأت حوارا للتعاون الأمني مع الأجهزة الأمنية المغربية، لمواجهة تهديدات تنظيم داعش، وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول هذا التنظيم الذي بدأ يقض مضجع الأجهزة الأمنية في العالم.

تكريم للحموشي.. تتويج للمخابرات المغربية

خلال زيارته للمغرب في سنة 2015، أعلن وزير الداخلية الفرنسي حينها، برنار كازنوف أن حكومة بلاده قررت تكريم المدير العام لمديرية مراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف الحموشي، بوسام جوقة الشرف الوطني، والذي يعتبر أعلى تكريم رسمي بفرنسا وذلك “تقديراً لجهوده في محاربة الإرهاب والجريمة”.

وبدورها وشحت الحكومة الإسبانية في 2019، عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني، بوسام الصليب الأكبر للاستحقاق للحرس المدني، وهو القرار الذي نشر في الجريدة الرسمية الإسبانية. ويعد وسام الصليب الأكبر للاستحقاق للحرس المدني أعلى وسام إسباني تمنحه هذه المؤسسة .

عن موقع “تيلي ماروك” بتصرف