لا يختلف اثنان على أن السمة الأساسية للخطب الملكية التركيز على البعد الاجتماعي ، و هو ما يفسره المتتبعون للخطب الملكية لسنة 2020، ذلك أن الملك شعر جيدا بعمق الأزمة التي تمر منها البلاد و بمعاناة فئات عريضة من أبناء الشعب المغربي من وطأتها بعد انتشار وباء كوفيد 19 ،لا في موجهته الاولى و لا حتى الثانية والذي زاد من التحديات الاجتماعية التي ميزت سنة 2020 .

إن طغيان البعد الاجتماعي تصاحبه سمة أخرى في الخطب الملكية، وهي سمة الصراحة و الواقعية و الخطاب المباشر، حيث يقوم الملك بوضع أصبعه مباشرة على مكامن الخلل، و توجيه الخطاب المباشر إلى القطاعات المعنية سواء تعلق الأمر بالحكومة و المؤسسات العمومية والاحزاب السياسية .

فالسمات الاساسية التي اصبحت تتسم بها الخطب الملكية، هي تأكيد صريح على الأولوية التي يوليها الملك لشعبه و الهم الذي يؤرق باله من حيث العمل على تحسين ظروف عيشهم اليومية، خاصة اولئك الذين يعيشون في وضعية هشة، والنهوض بأوضاع الشباب و تكريس مبادئ الحكامة الجيدة التي تهدف إلى تمتع جميع المغاربة بثروات بلدهم ولا يخفى على أحد تعليمات جلالته بتعميم اللقاح ومجانيته على جميع افراد المجتمع المغربي .

الغريب في هذا كله هو أن الفاعليين السياسيين، إلا ما نذر منهم، لا ينظرون إلى الواقع المغربي، من نفس المنظار الذي يرى منه قائد البلاد، حيث تابعنا معهم خلال الفترة الأخيرة ، جدالهم العقيم المتهافت حول قضايا الانتخابات ، في الوقت الذي كان لزاما عليهم أن يراعوا الوضعية غير المطمئنة للواقع الاجتماعي المتأزم، خاصة و أن البلاد أمام مشروع مصيري يتمثل في تنزيل النموذج التنموي الجديد، الذي يتطلب توحيد الجهود و تثبيت المسار لما فيه مصلحة الوطن و المواطن وامام تحد كبير في طي صفحة نزاع الصحراء ، بعد ان اتضح للمنتظم الدولي أن اعداءنا لم يكونوا أبدا في مستوى الحوار والشرعية الدولية .والذي حسم أمر قرار البيت الابيض بسيادة المغرب على صحرائه وتوالي فتح القنصليات والتمثيليات الديبلوماسية بكبريات مدن الصحراء المغربية .

لقد جاء الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 21 لعيد العرش بمعاني قوية وأبعاد كبيرة تدل على التلاحم الكبير بين العرش والشعب، مبرزا قيم الانسانية النبيلة، ومشيدا بروح التضامن والمسؤولية، التي تعامل بها المواطنون والمواطنات، سواء على المستوى الفردي، أو ضمن المبادرات المواطنة لفعاليات المجتمع المدني، خلال فترة الحجر الصحي، لأن الأزمة التي اجتاحت العالم بما فيه بلدنا لم تخلف ٱثارا سلبية على المستوى الصحي فقط بل كانت أكثر وقعا على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي.

وعلى هذا الأساس تجدر الإشارة إلى أن القطاعات الانتاجية التي شملتها الانعكاسات السلبية التي ترتبت عن جائحة كورونا كوفيد 19 فرضت على الحكومة دعم صمود القطاعات المتضررة، والحفاظ على مناصب الشغل، وعلى القدرة الشرائية للأسر خاصة تلك التي فقدت مصدر رزقها، وهو ما يؤكده جلالة الملك محمد السادس نصره الله أثناء توجيهه للحكومة من أجل الحذو في هذا الاتجاه.

فالاقلاع الاقتصادي بمثابة ردة فعل لمواجهة كافة التحديات الاجتماعية التي ستظهر في المستقبل لذا كان لابد من إعلان جلالته ، عن خطة طموحة للإنعاش الاقتصادي تمكن القطاعات الإنتاجية من استعادة عافيتها، والرفع من قدرتها على توفير مناصب الشغل، والحفاظ على مصادر الدخل، وهو مؤشر إيجابي جدا سيعزز النسيج الاقتصادي المغربي خصوصا أمام ضخ حوالي 120 مليار درهم في الاقتصاد الوطني، أي ما يعادل 11 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

وفي نفس الاتجاه فإن العقلنة التمويلية هي التي يجب أن يرتكز عليها صندوق الاستثمار الاستراتيجي “محمد السادس” بعد احداثه والذي ستكون مهمته دعم الأنشطة الإنتاجية، ومواكبة وتمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى بين القطاعين العام والخاص، في مختلف المجالات،وهو دعم كبير من أجل رفع الاقتصاد المغربي لأن الوضع قبل أزمة كورونا ليس هو الوضع بعدها فكل المؤشرات تدل على ذلك. ولاصلاح عميق للقطاع العام لا بد من إحداث وكالة وطنية مهمتها التدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة، ومواكبة أداء المؤسسات العمومية.

وإن كان الهدف من هذه المشاريع كلها هو النهوض بالتنمية، فإنه لا بد من تحقيق العدالة الاجتماعية، والمجالية وهذه الأخيرة لن تتحق إلا بتوفير الحماية الاجتماعية لكل المغاربة، والتي يستلزم الأمر تعميمها على جميع الفئات الاجتماعية،وقد ذكر جلالة الملك محمد السادس نصره الله بخطاب العرش لسنة 2018، للتعجيل بإعادة النظر في منظومة الحماية الاجتماعية، التي يطبعها التشتت، والضعف في مستوى التغطية والنجاعة.

فالوقت قد حان، لإطلاق عملية حازمة، لتعميم التغطية الاجتماعية لجميع المغاربة، خلال الخمس سنوات المقبلة،فالمجتمع المغربي يعاني من عدم تفعيل هذا الإجراء والحكومة المغربية يجب أن تفكر في برنامج عمل مضبوط ابتداء من يناير 2021، بدءا بتعميم التغطية الصحية الإجبارية، والتعويضات العائلية، قبل توسيعه ليشمل التقاعد والتعويض عن فقدان العمل.

حقا المغرب امام تحديات جسام لخصتها جل خطابات جلالة الملك، التي ميزت سنة 2020 ، سنة الأزمة العالمية الجديدة واستشراف ماتحمله 2021 من حلول في ضل تخالفات اقليمية ودولية جديدة .
خطابات ملكية ، تميزت بقوتها ودقتها وجسها لمكامن الخلل والضعف وتنوعت بمبادرات جريئة اجتماعيا واقتصاديا فهل استعبنا دروسها ؟

ذ/الحسين بكار السباعي
محام وباحث في الإعلام و الهجرة وحقوق الإنسان