الرأي24

 

مع الشروع في إجراء الامتحانات الإشهادية، في الوقت الراهن، يكثر الحديث مرة أخرى عن ظاهرة الغش، وأسبابها، وتقنيات ممارستها بشكل ذكي لا يخلو من مكر، وآخر ما استجد فيها .

 

ورغم حملات التوعية، وتشديد الإجراءات الزجرية، فإن هذه الظاهرة ما تزال تلازم العديد من التلاميذ …

في هذا الحديث الصحافي يقدم أحمد الرياضي أستاذ علم النفس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، رؤية عميقة تنبش في الأبعاد النفسية للغش وتشعباته .

س /// هل يمكن الحديث عن دوافع نفسية لظاهرة الغش ؟

ج /// إن الحديث عن الغش في الامتحانات يوحي بالأساس إلى طرح أسئلة عميقة عن البيئة التي يتفشى فيها هذا الغش .. أعني البيئة المدرسية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمع ، ذلك أن هذه الظاهرة تعكس تحولا اجتماعيا ساهمت فيه ظروف وملابسات ، وهو ما يستدعي السفر المعرفي من أجل البحث عن خيوط تفكك الوضع القائم الذي يجسد دلالات ورموز تسمح بالفعل والوجود .

ذلك أن البحث في الظاهرة يسائل كل المعنيين بالقضية، ويجعل كل فاعل مفعولا به في الكائن والممكن والمستحيل، إذ أن الاشتغال على موضوع الغش في الامتحانات يطرح بعض من الأسئلة من قبيل :

لماذا يقبل التلاميذ في الامتحانات على عملية الغش ؟ هل الغش يرتبط أساسا بالبيئة المدرسية أم ينتقل إليها ؟ هل يتوقف مباشرة بعد اجتياز الامتحانات، أم أنه فعل يصاحب الفرد في مناحي الحياة ؟ هل الغش تجسيد لقيم تعيش الانهيار ؟ أم أنه محاولة من أجل البحث عن الممكن ؟ هل يمكن القول من منطلق آخر إنه ترجمة لرغبات نفسية، حاجات اجتماعية ؟

ينبني علم النفس على دراسة السلوك، من أجل البحث في الأسباب والدوافع التي أنتجت سلوكا ما، في محاولة للكشف عن تشخيصه، وبالتالي تصنيف هذا السلوك ، هل هو مرضي أنتجته متغيرات عدة ، أم سلوك اجتماعي يوائم المعيش الاجتماعي ؟

س /// لماذا يتفشى الغش رغم محاولات الحد منه ؟

ج /// حين البحث عن الأسباب والدوافع التي تركن وراء هذا السلوك ، لابد من القول أولا إن المدرسة تشكل أحد أهم المؤسسات الاجتماعية بعد الأسرة ، إذ يؤدي انهيارها إلى انتشار مشكلة التفكك الاجتماعي بين التلاميذ، وهوما يتجسد في صعوبة الوصول إلى تقديم تعليم في غياب آليات التواصل والضبط التربوي والمناهج التي لاتساير التحولات الاجتماعية.

هذا المعطى يزكي بعض التصورات / التمثلات الاجتماعية التي تشجع التلاميذ على ممارسة الكثير من الظواهر المنحرفة كالإخلال بقوانين البيئة المدرسية ، وعدم احترام النظام المدرسي ، من خلال ممارسة العنف والعبث بالمرافق العمومية للمؤسسة والاستهزاء بالطاقم التربوي ، وأيضا عدم المواظبة على الحصص ، مما يولد الإحساس بعدم الانتماء إلى البيئة المدرسية من طرف المنتمين إليها .

فالأمر يتعلق وكأنه إحساس اجتماعي بهوية اجتماعية ممزقة تتمثل في تجربة / تجارب ذاتية يسكنها الكثير من الألم وقدر قليل من الأمل، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى ممارسة أشكال الغش خلال الامتحانات ، حيث يصبح الغش ظاهرة ملموسة وكأن الأمر طبيعي ، بينما الأمر ليس كذلك .

ذلك أن الغش في الامتحانات ممارسة وسلوك منحرف تساهم فيه الكثير من العوامل من بينها:

التنشئة الاجتماعية للتلميذ حيث سؤال : الأنا ، الآخر ، الرغبة ، الطموح، تحقيق الذات، الفشل مع توالي الاضطرابات والصدمات النفسية الاجتماعية في ظل الكثير من الاكراهات الاجتماعية، مما يؤدي إلى عدم المواظبة والتحصيل بشكل موفق .

ويتعمق الأمر حين لا تنهج الإدارة المدرسية آليات معينة لمعالجة مثل هذه الوضعيات، بدل مواجهة هذ الأساليب المنحرفة بطرق متساهلة تساهم هي الأخرى في التمادي في هذا الفعل المنحرف ، وهو ما يجعل التلميذ يعتبر ذاته المعني الوحيد بسلوكه داخل المجتمع .

وعليه ، فإن الغش في إحدى معانيه له دلالات تتجلى في الصراع الذي يؤدي إلى انهيار القيم الاجتماعية، مما يجعل البحث عن الذات لدى التلاميذ يتم بطرق غير أخلاقية ، وهو ما يطرح سؤال تدبير الوضع الداخلي للمؤسسات التعليمية، ووظيفة المدرسة خلال التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع ، دون أن ننسى الجانب الأهم في المعادلة وهو : غياب العناية بالبنية النفسية للتلاميذ داخل المؤسسات التعليمية من خلال وجود الأخصائيين النفسانيين الممارسين .

س /// ما هي أنجع السبل لمكافحة ظاهرة الغش ؟

ج /// إن عدم تنفيذ العقوبات التأديبية يساهم في انهيار المعايير الاجتماعية ، وبالتالي اختلالها وهو ما يفرغ تلك العقوبات من مضامينها ، وبالتالي تجعل تلك القواعد المنظمة للعمل التربوي عديمة الجدوى ، حيث يصبح اللجوء إلى الغش في نظر التلاميذ محاولة لتحقيق النجاح معللين ذلك بصعوبة الامتحانات والمناهج الدراسية .

ذلك أنه في غياب الوسائل المشروعة تختفي آليات النجاح، وبالتالي يتم خرق القواعد الأخلاقية داخل المنظومة التربوية، مما يجعل البعض يسعى إلى التشجيع المبالغ فيه على تحقيق النجاح لدى الأفراد، دون الانصياع إلى تلك الوسائل المشروعة، وبالتالي فهو في حد ذاته وسيلة للانحراف .

وعليه فإن الرغبة في النجاح يولد لدى بعض التلاميذ استخدام بعض الآليات لممارسة سلوك الغش، ولو بطرق عنيفة، وهو ما يلاحظ من خلال لجوء بعض التلاميذ إلى ممارسة العنف ، بل حتى الانتقام العنيف ضد المدرس الذي يحاول أن يفشل محاولاتهم للغش، ومنه فإن العنف من أجل الغش يشكل صراعا يسكن ذات الفرد / التلميذ من أجل تحقيق رغبة ما، بغض النظر عن طبيعة ونوع الوسيلة.

عموما إن البحث في التفاصيل الدقيقة يجعلنا، من خلال الممارسات اليومية في الكثير من المناسبات على مستوى الامتحانات، نستنتج أن وجود الممارسات المنحرفة خلال الإمتحانات داخل البيئة المدرسية يعود إلى انهيار وسائل الضبط الاجتماعي، وبالتالي ي طرح سؤال النموذج بشكل عام، فكثيرا ما تكون أخلاقيات التلميذ تلك المرآة العاكسة لأخلاقيات البيئة التي نشأ فيها .

وبناء عليه ، فإن الغش مشكلة نفسية اجتماعية قد تساهم في انتشارها الكثير من العوامل وأيضا حضور الكثير من الصور والتمثلات الاجتماعية، ذلك أن عدم وجود الرغبة في ممارسة مهنة التدريس، وعدم مراعاة التهيء الأكاديمي والمهني والثقافي ، يساهم في تدني التحصيل الدراسي، ومن تم قد يكون عاملا من العوامل التي تدفع هؤلاء التلاميذ إلى ممارسة الغش مما يجعل هذا الأخير عدوى اجتماعية بتعبير غوستاف لوبون .