الرأي24/ذ أحمد بوهمان

إن التحليل النفسي للظواهر الاجتماعية كالتشرميل، ومقالب البراك (PRANG)، وبييز((BUZZ… وحتى اغتصاب القاصرين… يرجع كل هذه الظواهر، والسلوكات إلى الاختلال والازدواجية الخفية التي أصبح الفرد يعيشها داخليا.
فالتكوين النفسي (بالعودة إلى النظريات السيكولوجية خاصة مع فرويد) يفصح أن الجهاز النفسي يتكون من ثلاث مستويات دينامية ومتصارعة، أولها: “الهو” وهوالمسؤول عن الرغبات والميولات الغريزية… والمرتبط ارتباطا وثيقة بمبدأ اللذة خاصة الجنسية منها.
المستوى الثاني: “ألانا الأعلى” ويمثل المتطلبات والمبادئ الأخلاقية والقيم… ويرتبط بالواقع.
أما المستوى الثالث: فهو “الأنا” ويمثل الجانب الواعي في الفرد، ووظيفته خلق التوازن النفسي بين المكونات الثلاث، بالإضافة إلى ضغوطات الواقع.
إذن، ماعلاقة الجهاز النفسي بكل الظواهر النفسية؟ وما تأثير الوسائل التكنولوجيا على البناء النفسي للأفراد؟ هل يمكن الإقرار أن الأفراد يعيشون ازدواجية العوالم حيث يصبح الواقع منقسم بين افتراضي، وأخر الواقعي؟ وأيهما يحكم الآخر هل الواقعي أم الافتراضي؟
لعلنا نجد الإجابة, ولو جزئيا في الفرضية التي تقول: أن الإنسان أمسى يعيش ازدواجية العوالم بين واقعي ملموس ومحسوس، وغالبا ما يرتبط بما هو ظاهري، وثابت، ومتأصل من عادات وتقاليد، وقيم وسلوكيات يومية روتينية… وعالم افتراضي متخيل غير ملموس، ومجرد، وخيالي يرتبط كليا بالعالم الأزرق وبالتكنولوجيا الحديثة، يتصف بالشساعة، والانتشار، عالم لا دولة له ولا حدود… هذا الواقع الذي يوفر كل المواد الأولية لبناء عالم متخيل افتراضي، وأحيانا يمنح الأفراد راحة نفسية تحجب وتخفي معاناة العالم المادي الخارجي، وتجعل الفقير ماديا وروحيا يبدو غنيا…
إن هذه الازدواجية جعلت الأفراد يتربون تحت وطأة الافتراضي والوهم. فأصبح الطفل يأخذ قيم خيالية ومبادئ وهمية وسلوكات غير واقعية… بعدما كان يكتسب الثقافة الإنسانيةمن الواقع الاجتماعي المادي والمحسوس.هذا النمط الجديد أسس واقع يغلب عليه الوهم، ويفتقد للقيم الإنسانية الكونية فأصبح فيه الإجرام لعبة، والعذاب لذة والإهانة متعة. لقد تحول الإنسان من عاشق للخير والتعاون، إلى محب للسخرية ومتلذذ بآلام الآخرين، وأمست التفاهة شهرة، والأخلاق الأصيلة تخلف… فصار الكل يتكلم بلغة الشهرة حتى على حساب القيم الإنسانية.
إن كل سلوك صادر عن الفرد يترجم تلك الازدواجية الخفية التي أمسى الشخص يعيشها. ازدواجية حجبت الحقيقة، وجعلت مكانها الخيال تراكم مع الزمن ليصير عالما افتراضيا حاضرا. والمعضلة الكبرى هي ذلك التأثير المباشر الذي جعل عدة سلوكات تأخذ شرعيتها، وتصبح ثقافة عامة. وهنا يمكن استحضار ثقافة الشهرة buzzأو مقالب prang، والتشرميل أو مقاطع الفيديو التي توثيق للحظة انتحار أو تعذيب والمخالفات القانونية… كل هذه الممارسات لا تخلو من إجرام لأنها تضر بالمجتمع أكثر مما تنفعه. وبفعل الهيمنة الرقمية، والاستعمالات الغبية للوسائل التكنولوجيا أصبحت عاديةومألوفة في أذهان الأفراد.
وقد ساهم بشكل قوي في بنائها الإعلان بطريقة غير مباشرة عبر إنتاج محتويات رقمية(أفلام، وصلات اشهارية، برامج إذاعية…) تحمل من الخيال ما يكفي لجعل العقل ينتقل من مستوى الواقع إلى مستوى الوهم(هناك فرق بين التفكير الخيالي المجرد والوهم كظن فاسد).
إن هذه الأسطر لا ترقى إلى مستوى النظريات السيكولوجية ولا السوسيولوجية إنما هي تعبير عن رؤية فكرية تحاول تحليل ظواهر إنسانية تترابط مع بعضها البعض. فالإنسان ليس جهازا عصبيا أو بنية بيولوجيا فقط، إنما هو نتاج مؤثرات اجتماعية ونفسية. لهذا لا يمكن الحديث عن ظاهرة اجتماعية دون استحضارا المقاربات النفسية والاجتماعية والاقتصادية أيضا. وبالتالي فكل سلوك إنساني ما هو إلى تعبير عن تصارع عدة قوى سيكوسوسيولوجيا… لتستمر الحياة.